Web Counter
English Guestbook Contact us راسلنا سجل الزوار ندوة وأراء روابط إختبارات ترانيم الكتاب المقدس دراسات كتب عربى
 

 

أولاد إسماعيل

الإهداء

مقدمة

من وطن المسيح يعود أبناء إسماعيل

من وراء الحجاب

مبارك شعبي مصر

توبة أمام جامع

المسيح له مختارين

من المسيحية الاسمية إلى الإسلام ثم إلى المسيح

القصيدة

هكـذا عــرفـت  الله

كنت ميتا فعشت !


الإهداء

إلى أبناء أبينا إبراهيم في كل مكان

أولاد إسماعيل و أولاد إسحاق

أولاد هاجر الجميلة وسارة الحبيبة

حان الآن أن يجتمع .. أن يتحد أولاد إبراهيم المتفرقين ..

من ذا الذي يقدر أن يجمع المتفرقين إلى واحد؟

من ذا الذي يقدر أن يغير القلوب .. ويجدد الأرواح ..

فتصير منبعاً للسلام .. للرحمة .. وللحب؟

من ذا الذي يقدر أن يصالح الأرض بالسماء..

ويصالح الإنسان مع ذاته..

ويصالح الإنسان مع أخيه الإنسان؟

من هو هذا العظيم؟ ..

هلم أبناء إبراهيم .. هلم نثور ونسبح ونبني ونحب.


مقدمة

كما عاد الابن الضال لأبيه .. بعد فترة من الضياع والضلال والتيه ..  يعود هذه الأيام إسماعيل إلى حضن إبراهيم أبيه .. بل يعود لحضن المسيح الموجود قبل حضن أبيه إبراهيم .. بل قبل تأسيس العالم .. يعود إسماعيل للذي أتى من السماء وتجسد لأجله..

 نعم الهي ومخلصي  .. أتيت لتبشر المساكين.. لتعصب  منكسري القلوب .. لتنادي للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق ..لتعزي النائحين .. لتعطيهم جمالاً عوضاً عن الرماد .. وفرحا  عوضاً عن النوح .. ورداء تسبيح عوضاً عن الروح اليائسة..

أتيت لنبني الخرب القديمة .. نجدد المدن الخربة . نبشر بالحرية وبالسلام بالشفاء والحب، قد  أتيت يا الهي ومخلصي للجميع ..

وها نحن أبناء إسماعيل عشنا سنيناً نجهلك .. لا نعرفك .... وفي كثير من الأوقات كنا ننكرك ،  ونحاربك .. بل نعاديك .

ولكن محبتك التي تفوق كل عقل وكل خيال وكل عداء.. وجدتنا.. وهدتنا ..ورحمتنا .. وقدستنا ..

 محبتك مخلصي أعادتنا اليك كالضال إلى حضن أبيه.. كلقيط إلى حضن أمه.. كغريق إلى سفينة  الخلاص.

ها نحن الهي ومخلصي بحثنا عنك فوجدتنا .. سألناك فأجبتنا.. صلينا لك فسمعت صلاتن واستجبت لنا.. أحببتنا أولاً..

ها نحن الآن لسنا عبيداً بل أبناء .. لسنا أسرى بل أحرارا ..

لم نعد أشرارا بل أصبحنا أبرارا .. 

صرنا مثلك نحب الجميع .

لذلك ها نحن أبناء إسماعيل ابن أبونا إبراهيم خليل الله  قررنا أن نعلن للجميع في هذا الصفحات  القليلة حبنا لك .. عشقنا لك .. خضوعنا لك .. وانتماءنا لك .. فنحن الأغصان وأنت الكرمة  ..  فنحن العروس وأنت عريسها .. نحن مدينتك وأنت مليكها .. إلهنا ومخلصنا.

 أولاد إسماعيل


من وطن المسيح يعود أبناء إسماعيل

في بلاد المسيح ولدت .. فلسطين  الحبيبة

نحن ما يطلق علينا عرب الضفة  ولدت  في أواخر الخمسينات تحت سقف الاحتلال .. عشت في وطن ليس بوطني   (ولكن من منا يختار ميلاده أو كفنه ) .  عائلتي مكونة من سبعة أولاد وأربع بنات ، مات أبى وأنا في الثامنة من عمري ..  ليكتمل الحزن في قلبي ( بميلاد بلا وطن .. وطفل بلا أب )

وكأن السماء تناصبني العداء ..أظن أن زمان الطفولة هو الذي يشكل اله كل منا ، أتخيل أنكم بدأتم تشكلوا معي ملامح الهي. قريتي كانت بجوار القدس .. بجوار( أورشليم)

أورشليم ..قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين  .. وصالبة المسيح

عندما تولد في القدس تصبح فدائيا قد تم ترويضه، وطفل ليس كأطفال الحجارة الثوريين ، ولكن من يقدر أن يسجن الروح والقلب ، لا الزنازين تقدر أن تفعل ذلك .. ولا قوى الاحتلال  لذلك كنت احمل قلب أطفال الحجارة .. روح أطفال الحجارة .. ثورة أطفال الحجارة رغم إنني لم أر في قريتي مظاهرة واحدة أو أي نوع من انتفاضة .

لكن أتذكر وأنا طفل كنت أسبح في خيالي وفي أحلام اليقظة ، التي كنت أتخيل فيها أنني أحرر فلسطين وكانت أحلام التحرير في خيالي تنتهي دائما باستشهادي .

حقا كنت طفلا فلسطينيا بمعنى الكلمة رغم محاولة الاحتلال مسخ  الشباب العرب  لكي ينسوا جذورهم ووطنهم وبكاء أمهاتهم .

وبالفعل أصبح الحزن لنا لغة تعلمناها منذ الطفولة ،عاجزون ومحاصرون في كل شيء ، في لقمة العيش وفي المسكن وفي المدرسة وفي الشارع، نحن لسنا كأطفال اليهود ، التفرقة واضحة في كل شيء وتمييز المحتل واضح لنا وضوح الشمس ( فشعب يفرق بين يهودي شرقي ويهودي غربي ، كيف لا يفرق بينه وبيننا). كل هذه الأشياء كانت تشكلني وتشكل إيماني بالله الذي كان بالنسبة لي الملجأ الأول والأخير فأنا كنت اصلي وأصوم حتى سن 15 سنة لكن ما النتيجة. ما الذي حدث .. هل حدثت معجزة فأصبحنا أحرارا ؟

 هل عاد لنا وطننا؟!!

 هل أقام الهي شهداءنا من القبور ؟!!

 هل أعاد لنا أفراحنا التي ضاعت وأوقف نزيف دمائنا ؟!!

 هل أعاد المنفيين إلى أوطانهم ؟!!

 وهل .. وهل .. وهل ‎.. ملايين من علامات الاستفهام التي تفجرت في داخلي ضد قدرنا الذي حكمت السماء به علينا لماذا الموت والإبادة والنفي  والسجن  يكون مصيرنا نحن دون باقي الشعوب ، هل هذه هي مشيئة السماء ؟!!

وكانت الإجابة بداخلي .. نعم !!

وبالتالي رفضت هذا القدر وهذا المصير وهذا الإله ، وعشت أربع سنوات لا أؤمن باله .. كفر صريح ( يسكن في القلب ويعلنه اللسان والعمل ) وبالتالي فقدت حياتي معناها وتلاشت كل القيم والمبادئ في داخلي ، وبالفعل ارتكبت كل الخطايا والذنوب ، الكبائر منها والصغائر الى أن حدث شيء كان بداية لتغيير حياتي ، وهو تعرفي على آنسة أوروبية اسمها" تينا  "كانت موجودة في القدس لمدة سنة , تعارفنا و أصبحنا أصدقاء  فهي ليست  مثل هؤلاء الأشخاص الذين  تقابلهم كل يوم بل على العكس  ,هي من هذا النوع النادر الوجود الذي اذ تعرفت إليه لا تقدر أن تنساه ، إنسان بمعنى الكلمة تشع حيوية وحضورا خاصا  . حضور يشعرك انك مهم وانك إنسان متحضر وان الوقت غالي , نعم هي بالحقيقة المرأة التي معها تشعر أن كل شيء تحول إلى معنى وقيمة في لحظة . و تينا تتكلم أربع لغات  بطلاقة . و كانت دائماً تقول لا يوجد وجه مقارنة بين ربيع و صيف أوروبا و ربيع القدس حيث الحدائق الخلابة و الحقول المزهرة .  بدأت تينا تشعر بعدم الرضا لأنها بدأت تنجذب لشخص مسلم فهي تعلم بأن عائلتها عائلة محافظة  و ملتزمة جدا بالديانة المسيحية  و لن تقبل أي تطور شرعي لهذه العلاقة ، و بدأت تينا تخطط للعودة إلى بلادها و كان هذا بعد عام من بقائها في القدس وقد مر علينا و كأنه يوم . و أنا أيضاً بدأت أخطط للسفر إلى أوروبا و ابتهجت تينا لقراري و بالفعل سافرت إليها و كان ذلك في يوليو 1979 و كانت تينا هي مرشدي السياحي . و أتذكر تلك الزيارة لعائلتها و كان استقبال العائلة لي دافئا  تكلمنا مرة في موضوع أكل  لحم الخنزير في أوروبا والدول  الغربية. وعندما تكلمت مع تينا بخصوص ذلك الأمر قالت لي ما أذهلني : قالت لي أن الرب يسوع المسيح قال [ أن ما ينجس الإنسان ليس هو الطعام أو الشراب و لكن هو ما يخرج من القلب و النيات هو الذي ينجس الإنسان ! ] . كانت هذه الزيارة هي بمثابة وضع النقط فوق الحروف بالنسبة لعلاقتنا فنحن بدأنا نشعر أننا لسنا فقط صديقين بل حبيبين وبالفعل قررنا الزواج، وبالنسبة لي لم يكن قرار الزواج قرارا عاديا بل سرب إلي اللبنة الأولى بالإحساس بالمسئولية وفي هذه الفترة التي نزلت فيها  القدس لأعد لزواجنا كانت أمي تنتظرني بلهفة  (فأمي مسلمة متدينة و ذات شخصية قوية)  قالت لي أنها ترفض ذهابي إلى أوروبا للزواج و لكن يجب على تينا أن تأتي للقدس للزواج ليكون الزواج إسلاميا و على سنة الله و رسوله ( و كان هذا هو الشائع  في فلسطين فالمرأة الغربية التي تتزوج من مسلم تصبح مسلمة و ترتدي الحجاب و تتعلم اللغة العربية و القرآن )  و في ذاك الوقت كانت تينا تتوب و تعيد وتجدد علاقتها مع إلهها ومخلصها يسوع المسيح  ، فأصبحت مسيحية بمعنى الكلمة وبعد ترتيب أموري سافرت إلى أوروبا وتزوجنا كان زواجنا حقا أهم خطوة وأجمل خطوة اتخذتها في حياتي في ذلك الوقت. ولم تكن تينا  مسيحية بالمعنى المبتذل أو العقيم المتعارف عليه بين الزوجات المؤمنات المتزوجات رجال غير مؤمنين أو العكس ( بأن تجلس تعظ لي ليل نهار أو توبخني على أعمالي الشريرة والسلبية من وجهة نظرها أو تشعرني حتى أنى اقل منها في شيء .. لم تكن تينا زوجتي تفعل ذلك على الإطلاق بل كانت زوجة فاضلة من يجدها يتغير ويصير مخلوقا على صورة الله ) كانت خاضعة لي وكانت تعرف كيف تتعامل مع رجل شرقي له كلمته ويحترم رجولته إلى أبعد حد ، لكن كل هذا أثر في ولكن لم يغيرني بالكامل ، فما زلت أعاود أعمالي الشريرة .. أسكر وأسهر طول الليل في الحانات و خارج البيت  كان كل هذا يجعلني مزاجيا  جدا ,كم قاست معي تينا ،  أشياء تفوق قدرة  كل إنسان ( لكنها بحق امرأة تشابه المسيح ) وليتني كنت أسكر فقط , بل تعاطيت كل أنواع المخدرات ، كانت سنوات مليئة بالعبودية لإبليس ولكن كان في وسط ذلك الشوك وردة ثابتة لم تتغير محبتها   ( هي زوجتي تينا ) ، التي كنت أفتخر بإيمانها وأخلاقها أمام الجميع  خمس سنوات كاملة أعيش في هذا الضياع وكأنني أحضرت للموت وكأني انتحر ببطيء وكانت تينا  تصلي وتدعو الله من اجلي لكي يخلصني وينقذني ، لم تصمت ولم تجعل الله يصمت وبالفعل استجابت لها السماء وكان هذا في آخر يوم من سنة 1984 كنت أمشي في الشارع مترنحا بعد ليلة طويلة من السكر قابلني شخص ودعاني أن اذهب الى منزله لأشرب معه كوبا من الشاي كنت ثملا لكني وافقت وذهبت معه ، وجلسنا نتكلم لمدة ساعتين أو اكثر ، وفي الصباح لم أتذكر إلا القليل من الحديث تذكرت انه سألني عن إيماني بالله ، وأجبته بنعم أومن بالله وبرسله وبأنبيائه موسى وعيسى ومحمد ، وقال أنا لا اعرف إلا طريقا واحدا هو الذي يدخل به الإنسان إلى السماء ( الجنة ) هذا الطريق الوحيد هو إلهنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي به تمت المصالحة بين الإنسان و الله والذي بدونه لن تقدر أن تدخل السماء مهما فعلت من أعمال صالحة أو حسنات وقال لي اقرأ إنجيل يوحنا, هذا كل ما تذكرته وتذكرت أنني تركته وأنا متضايق جدا منه ولكني أحببت جرأته وصراحته ، ودعوته إلى منزلي وأعطيته عنواني وكان ميعادنا التالي يوم الجمعة ، وبالفعل بحثت عن إنجيل زوجتي وبدأت اقرأ في إنجيل يوحنا قرأته اكثر من مرة ، وكنت أحاول أن أكون مستعدا لنقاش يوم الجمعة الذي قررت فيه أن لا اسكر حتى أناقش وأنا في كامل قواي العقلية ، فأتى ومعه شخص أخر اسمه نيلس وبدأ يكلماني عن الله المحب لي ولكل البشر وكيف يهتم الله بكل واحد منا اهتماما خاصا ومتميزا وكيف أنتج و أثمر  شر الإنسان وأنانيته كل الآلام الموجودة في الأرض  ( ارض السقوط ) ولكن الله غير راض عن شر الإنسان ولا على نتائج هذا الشر ، فالله لا يريد لنا المتاعب ولا الآلام التي نجلبها على أنفسنا  ( ما يزرعه الإنسان إياه يحصد ) فالله المحب الحقيقي لا يجرب أحدا بالشرور، بل هو منبع الخير والصلاح والقداسة والرعاية ، فكنت أصغي لهم بكل كياني .. كياني العطشان واليابس.

و تعددت جلستي معهم و مع الإنجيل و مع زوجتي ، لدرجة أصبح فيها الدين هو مركز اهتماماتي و بحثي بعد سنين من العبث وألا  شيء و كانت تينا تريد أن تجعلني أكتشف المسيح ( المسيا ) المنتظر في التوراة لكي تثبت لي أن المسيح هو محور التوراة و الإنجيل (محور الوحي) لأنها كانت تعلم أنني أجيد اللغة العبرية وهي لغة التوراة ، و بالفعل بدأت تخرج لي كل النبوات التي تتكلم عن المسيح ، التي كادت تقترب من ثلاثمائة نبوة  تتكلم عن المسيح و عن ميلاده المعجزي و عن حياته و آلامه و صلبه وموته و قيامته العجيبة . كل هذا اكتشفته أنه موجود قبل المسيح بمئات و آلاف السنين ، وهذا الاكتشاف  بدأ يزلزل كياني لدرجة أنني اندهشت من اليهود كيف وهم يقرءون التوراة كل يوم لم يؤمنوا بالمسيح ( المسيا المنتظر ) (فبالحق الله هو الهادي و ليست القراءة العمياء) . و بدأت أكتشف أن المسيح شخصية غير عادية فهو مركز التوراة و مازال اليهود ينتظرونه و نحن المسلمون أيضاً ننتظر المسيح كحاكم عادل و ديان الجميع .

( و طبعاً المسيحيون ينتظرون المسيح كإله و كملك ) من يكون هذا الشخص الذي ينتظره الجميع؟ يهود ومسيحيون ومسلمون؟!!

إذا كان المسيح بشراً عادياً فأنه بذلك أخذ أكثر مما ينبغي حتى من الأديان الأخرى التي لها أنبياء مثله ( موسى في التوراة و محمد في الإسلام ) فبالأولى أن ينتظر اليهود موسى و المسلمون محمد و لكن لم يحدث ذلك بل مازال ينتظر الجميع يسوع المسيح . حتى معجزات المسيح لم تشابه معجزات بقية الأنبياء  والسبب هنا ليس كما يقولون أن الاختلاف راجع لاختلاف الرسائل    والشعوب المرسل لهم ، لكن الاختلاف هو أن المسيح هو النبي الوحيد الذي شابه الله في صفاته و في قدرته إلى درجة التطابق فكيف يعطي الله نبياً أياً  كانت مكانته و رسالته هذا الامتياز (أن يكون شريكًا له في صفاته و قدراته و قداسته) بل أيضاً في محبته؟!!

 وصل الصراع إلى ذروته بداخلي رغم أني لم أكن مسلما متزمتا بل كنت ملحدا في كثير من الوقت  ولكن ما أصعب الدين في الشرق فهو موجود في الجينات و في دمائنا و عظمنا (فلا يوجد أصعب من أن يغير الإنسان عقيدته التي ولد و تربى و نما فيها) . و كنت أفكر لو أن الحسنات  تذهبن السيئات بحق فأنا أحتاج لعمر فوق عمري لكي أصنع حسنات تزيل و تمسح سيئاتي الكثيرة جداً ، لذلك لا خلاص لي بالحسنات أو الأعمال الصالحة فمن يخلصني و ينقذني من حياة الذنوب و العبث؟؟؟؟

 من يخلصني إذن ..

في هذه الفترة بدأ المسيح ينمو بداخلي بشكل لم ألاحظه وأخيراً لم أقوى على الصراع فصرخت إلى الله و قلت له عرفني الحقيقة من هو الدين الصحيح فالأديان السماوية تؤمن أنك واحد و لكن الاختلاف هو هل مازلت بعيداً عنا في السماء السابعة أم أنك تجسدت و صرت قريباً منا و متحد بنا .

قلت له لو كنت يا يسوع المسيح حقا إلهي و مخلصي فغير حياتي و حول هذا القلب الأسود لقلب أبيض ، من قلب يكره إلى قلب يحب ، من قلب نجس و غير طاهر إلى قلب مليء بالقداسة و الطهارة و العفة   و بالفعل بدأت حياتي تتغير بشكل لم أكن أتخيله و بدأت السعادة تملئ كياني  بلا مخدرات أو أي نوع من الخمور.  وبالفعل بدأت حياتي تتغير فأصبحت لي أهداف واضحة و مبادئ واضحة و معنى واضح لحياتي و إله مستعد أن اخسر من أجله كل شئ فهو وحده يكفيني      وأخيراً ابتهجت زوجتي لأنها رأت حصاد دموعها و صلواتها و الآن أصبح بيتنا كنيسة و عروسا للمسيح  و بدأت حياة الخدمة و المعجزات والاختبارات العظيمة و لكن لهذا حديث أخر لمجد يسوع المسيح.  

 خليل


من وراء الحجاب

كل منا يحمل نمنمات تراث عمره حيث الأحلام ، حيث الخامية و عوامل التشكيل و البصمات  ، نعم أذكر كل اللحظات حتى يوم  ميلادي أذكرها جيداً ، فمنذ حكت لي أمي تفاصيلها التصقت بذاكرتي و كأني أعيشها اليوم , كان يوم أربعاء من عام 1971م ، كنت الطفلة الأولى لوالدي ، كنت الفرحة الأولى  و صراخ الطفل الأول في منزلنا .

فأنا البكر لأربع أخوات ، حالتنا المادية تشبه أي أسرة عادية ، فأسرتنا متوسطة الحال .  تعلمت في مدارس حكومية، و كان أبي يهتم قدر المستطاع بتوفير كل احتياجاتنا لأنه كان يحلم أن نحظى بقسط وافي من التعليم  خاصةً أنا،  و خاصةً كنا كلنا بنات و كان أبي يحلم كثيراً بأن ينجب ولداً , فكان يسعى جاهدا لتعليمنا  وتوفير كل ما نحتاج إليه.

أما من الناحية الدينية فقد تربينا على المبادئ و الالتزام منذ الصغر فأبي مسلم حقاً ساعدته نشأته الريفية على التمسك بكل أمور الدين و التقاليد ، أما أمي فهي أقل التزاما فكانت تصلي يوما و تنقطع أياما وأذكر خلافات كثيرة لأبي معها بسبب هذا الأمر . فقد كان يريد أن يكونا معاَ أسوة حسنة لنا حتى نلتزم دينياً نحن الأبناء  . و أذكر أنه أياماً كثيرة كان يخرج ليصلي الفجر في الجامع الذي يبعد عنا بقليل كنت أصحو على صوت الأذان في بعض الأيام ، و كنت أندهش بالتزام أبي و تصميمه أن يصلي الخمس فروض في توقيتها في المسجد و لم يمنعه برد الشتاء أو حر الصيف و حتى في أيام مرضه .

 سألته ذات مرة ماذا لو صليت هنا نظراً لبرودة الجو ؟ فأجابني بأنه كلما خرج للجامع في وقت البرد و الأوقات المماثلة كلما جازاه الله خيراً و أعطاه ثوابا أكبر ( كان مخلصاً و ملتزماً حقاً بالإسلام و أعتقد أنه مازال بهذا الإخلاص ) .

شجعني أبي أن أصوم رمضان كله و أصليه و أنا عمري سبع سنوات و قال لي حديثاً يقول [ علموهم لسبع و اضربوهم لعشر ] كنت أشعر بالجوع في صيام ذلك الوقت و لكنني كنت أصبر بإخلاص على أن أكمل اليوم و بالفعل صمت الشهر كله ، سعد أبي لذلك و أذاع الخبر على كثير من أفراد عائلتنا وكان فخورا بالتزامي .

و سعدت أنا بأن الله سيجازيني خيراً بحسب قوله ، و لكنني سعدت أكثر لقدرتي على تنفيذ هذه المهمة الشاقة  و حتى وصلت سن الثانية عشر كنت لا أواظب دائماً على الصلاة و كان أبي يختلف مع جميعنا على ذلك الأمر ، فالالتزام بمذاكرتنا و الالتزام بالصلاة هما أكثر موضوعين استغرقا حديثًا و توبيخاً في منزلنا طيلة حياتنا .

وكان لأبي عقاباً , أرفضه بشدة إذا انقطعت إحدانا عن الصلاة لسبب غير شرعي . فكان لا يجلس معنا على مائدة الطعام ، مستشهداً في ذلك بحديث نبوي . ( و كنت أتساءل مع ذاتي كيف يقول الرسول كلاماً يساعد على تفكيك روابط الأسرة !!) أي التزام ينتظره أبي سينتج عن هذا العقاب !

و كانت الأفكار التي شربناها عن المسيحيين بأنهم كفرة ومشركين بالله   و ليس مجدياً أن نصنع علاقات معهم ، إلا هذا الاستثناء  , صديق واحد لأبي كان يقول انه يعرفه منذ الطفولة و كانت بينهم علاقة محبة تتضح عندما كان يأتي عندنا هذا الصديق هو و زوجته و أبنه لكي يشاركونا أفراحنا و أعيادنا ، ولكن في كل مرة كان أبي يقول شيئاً يجعلني أندهش بعدما يمضي صديقه المسيحي  فكان يقول [ خسارتك يا فوزي في المسيحيين ، يا سلام لو كنت مسلما ] .

ثم في الثالثة عشر بدأت مرحلة دراسية جديدة ( إعدادي ) و في أول يوم للدراسة و نحن نتهافت على أماكن المقاعد المفضلة و نتعارف ، جلست بجواري فتاة تدعى مارسيل . كان اسما جديدا على مسامعي و كانت تجربة جديدة أيضاً، ففي مقعد واحد لمدة عام دراسي كامل كان عليه أن أتعامل مع هذه المسيحية ( الكافرة ) و لكني سرعان ما تعارفت أكثر عليها فوجدتني أنجذب إليها ، فمازلت أذكر البراءة المنحوتة في ملامحها ، حتى الآن وداعتها تخايلني و كأنما كنا معاً منذ أيام لا سنين و أذكر ذات مرة أنها سألتني ماذا معك من ساندويتش فقلت لها جبنه رومي فقالت لنتبادل فأنا معي مرتديلا فانزعجت و قلت لها مار سيل نحن المسلمين لا نأكل لحم الخنزير فهو محرم علينا.

 فسألتني هي لماذا ؟ فقلت لها لأن الله يخاف علينا و هذا اللحم هو مضر لصحتنا ، فنظرت   إلي و شردت عيناها و التزمت الصمت . ففكرت أنا بداخلي لو كانت إجابتي منطقية و صحيحة فلماذا لم يضر كل هؤلاء المسيحيين على مر الزمان من أكل الخنزير ! و لكنني لم أجد إجابة ، و لم أرهق نفسي في البحث عنها ، فنسيت الأمر .

 و مر العام الأول على هذه العلاقة البسيطة الجميلة و في العام الثاني في يوم دراسي كانت مارسيل تبحث في حقيبتها عن بعض الأشياء فأخرجت كل كتبها على المنضدة فأمسكت بكتابها الديني ، و تفجر في حب استطلاع لم أعهده في ذاتي من قبل و لم يفارقني من وقتها . و طلبت منها أن أنظر في كتابها الديني  و أخذت أتصفحه  وقعت عيناي على جملة تقول (كان يسوع يجول يصنع خيرا) فسألتها من هو يسوع هل هو شخص : فأنا لأول مرة أعرف هذا الاسم ؟ !

فأجابتني مارسيل أنه المسيح ، أغلقت الكتاب و أعطيتها إياه و لكن ظلت هذه الجملة عالقة بذهني أريد أن أكتشفها ، شخص يجول يصنع خيراً ما أجمل هذا الشخص المتفرغ للخير .

و ببراءة شديدة لم أعد أذكرها جيداً ذهبت الى المنزل و كلي رغبة في اقتناء إنجيل يحدثني عن هذا الشخص  فطلبت من أبي ذلك و حكيت له ما حدث ، و لا أدرى بعد ذلك ماذا حدث !

ثورة عارمة في منزلنا ، ضربات تنهال علي و ترديد لجملتين (دول كفرة ، الإنجيل ده محرف) فبكيت و قدمت ندما على ما فعلت و تبت .

 وبعد فترة وجيزة اشتعلت في الرغبة من جديد فطلبت من مارسيل أن تحدثني عن يسوع ، فقالت لي أنه كان يحب الناس جميعاً و يصنع المعجزات لهم .

و في ذات يوم و نحن في حصة الدين الإسلامي التي كان يدرسها لنا أستاذا شابا و المتميز بعلامة الصلاة على جبهته ، شئ في داخلي يدفعني و سؤال يراودني منذ فترة لكنني أعلم أن سؤالي حرام فترددت و لكنني لم أستطع أن أكتمه ، تجرأت و قلت ( أستاذ ..ممكن أسأل سؤالا .. بس يعني .. أستغفر الله العظيم ) ثم أنطلق لساني أما كان للرسول أن يساعد كل النساء في ظروفهم دون أن يتزوجهم ؟ أما كان له أن يصنع معهم خيراً دون شرط الزواج ؟  و لا يكن مزواجا ؟

وكانت الإجابة صفعة سريعة جدا علي وجهي وكلمة كافرة ،  ولأول مرة أضرب في المدرسة .  فشعرت بإهانة قصوى .  وذهبت لمديرة المدرسة كي أشتكيه وحكيت لها ما حدث وقلت لها أما من حقي أن أسأل .  انه سؤال بديهي ،  وواجبه كرجل دين أن يجيبني ،  فلماذا قال عني كافرة ؟ 

كانت هذه السيدة متعصبة جدا ،  فكانت كثيرا ما تكلمنا وتوبخنا لعدم ارتداء الحجاب ،  ولكنها كانت أيضا حكيمة جدا.

وأجابتني ببساطة انه لو كان الرسول صنع معهم علاقات للمساعدة فقط لكان تعرض وعرضهم معه لشبهات غير لائقة ،  فهززت رأسي ولكني لم أقتنع بالإجابة ،  ولم ترد الإجابة إهانتي ،  ولم أجد جدوى .  فمرة أخرى ندمت وتبت . وقررت ألا انشغل بكل هذه الأمور ومع إلحاح أبي وكلماته التي تنهال علينا للمواظبة على الصلاة ،  قررت أن التزم بالصلاة.

فتجربة الحوار والتفكير غير مجدية سأصلي كواجب لتجنب الإصابة بلعنة أبي ،  كان شعورا قهريا ،  ففي سجدتي الأولي كنت أدعو الله أن تأتي السجدة الأخيرة وأنتهي من ذلك الواجب الفرضي لم أفكر في الله ولم تجلب لي صلاتي أي تغير في شخصيتي .  وموقفي من المسيحيين ما زال عدائيا كتربيتنا فمارسيل هي تجربتي الوحيدة ، وحتى الكنيسة التي كانت بجوار بيتنا كنت أحاول عدم المرور من أمامها .   

وسار الوضع على هذه الوتيرة لمدة عامين أو أكثر كانت الخلافات تشتد  بين أبي و أمي إلى أن حدث ما غير أشياء كثيرة في مساء حيات أبي وأمي يفعلان أبغض الحلال بحسب قولهم .. ينفصلان

وبدأت أخذ وضعا جديدا بين أسرتي فأنا أتحمل مسئولية أبي واخوتي الأربعة كان عمري حوالي 16 عاما  ، وكان  علي أن أحصر ذاتي بثلاث أشياء .. أن أتفوق في دراستي ، وان أتفوق في أمومتي لاخوتي وفي رفقتي لأبي كشريك في المسئولية .

ولم اسمح لنفسي أن أفكر في أي شيء آخر و انتهيت بعد ذلك من المرحلة الإعدادية بتفوق و كان الحلم القديم طبعاً أن أكمل تعليماً جامعياً ، لكن نظراً لاحتياج الأسرة لي فقد رفض أبي أن أدخل مدرسة التجارة حتى أتفرغ لخدمة أخوتي ، و بدأت أشعر أن كل الظروف تعمل ضدي و هذا الإحساس وضعه الله بالنسبة لي موضع رفض و تمرد . و لكن أين المفر من ظروف سيئة و سنين ملأتني بالهم و الانكسار ..أين المفر ؟

لم يكن أمامي مفر سوى الله رغم كل شئ . لكن هذه المرة التجأت إليه و أنا في حالة من الضعف الشديد و الاحتياج الشديد و الصدق الشديد ، و التزمت أكثر بالصلاة و الصوم و كل فروض الإسلام و ارتداء  الحجاب  و بعد كل صلاة كنت أدعو الله و أتكلم معه كثيراً و لكني كنت أشعر أن صلواتي و دعواتي تصطدم في حائط و تعود إلي ثانيةً بلا استجابة و بلا معونة و بلا رجاء ، فكنت أشعر دائماً أن الله بعيداً عني بعد المشرق عن المغرب . و بعد انتهاء دراستي جلست ما يقرب من عامين في المنزل و بدأت أختنق من الحياة المملة و الروتينية و بدأت  أبحث عن عمل، علمت أن هناك مكتب للمحاماة يطلب سكرتيرة للعمل كان صاحبه رجلا مسيحيا و عرضت الفكرة على أبي و أنا متيقنة من رفضه و بالفعل رفض ، لكن أمام إصراري و إلحاحي وافق أبي أخيرا . و في مكتب المحامي المسيحي بدأ يطفو ثانية فضولي لمعرفة هذا الدين المسيحي و بدأت بسؤال له عن صورة العذراء المعلقة خلف ظهره فمن أين أتوا بها ؟و لماذا يقولون عن المسيح أنه الله و هو مولود من امرأة عادية حتى و لو كان ميلاده إعجازيا ؟ و لم أكمل كلامي حتى هاج أستاذي و ماج و قال لي بأسلوب لا يقبل مساومة ( ما فيش أي أسئلة في الدين ، و كفاية اللي بيحصل في البلد ) كان يقصد أحداث الإرهاب البشع الذي حدث في البلد عام 91 . فخوف أستاذي منعه من الإجابة و أيضاً جهله بأمور دينه . فهو مسيحي بالاسم ( فالجهل و الخوف أسباب كفيلة جداً لأن تخفي أعظم جمال و تضعه تحت المكيال ) . فقررت أن أعرف عن المسيحية و لكن ليس منه فالمكتب يحتوى على مكتبة للكتب العامة و بعض الكتب المسيحية , و بالفعل بدأت أقرأ عن صلب المسيح و معنى التثليث و أبن الله و محبة الله  و جذبتني بحق قصة الحب العجيب التي ظهرت لي جلياً من الصلب و الفداء ووجدتها مقنعة للعقل و مشبعة للنفس ، ولكن الخوف من الاستمرار في هذه القراءات بدأ ينتابني ، و بالفعل توقفت عن القراءة و قررت بأن أستعين بأحد رجال الدين الإسلامي ليجيبني عن كل الأسئلة التي في داخلي و ليمنع جاذبيتي نحو المسيح .

فذهبت لشيخ في جامع قريب من بيتنا و حكيت له قناعتي القليلة و مخاوفي الكبيرة و بالفعل أعطاني العلاج الفوري لداء البحث و المعرفة  وصفة تتكون من ثلاث خطوات علي الالتزام بها :

الخطوة الأولى : أن أوقف القراءة لهذا الدين و أترك مكان العمل .

الخطوة الثانية : أن أتوب وأصلي و أصوم ثلاث أيام.

الخطوة الثالثة : هي أن أواظب على قراءة المصحف كل يوم .

و بالفعل نفذت كل ما طلبه الشيخ ، إلا مطلب واحد و هو تركي للعمل و ذلك لصعوبة موافقة أبي على العمل مرة أخرى ، ومن قراءتي الإسلامية التي زادت في هذه الفترة بدأت أكتشف ما زاد شكي و انزعاجي و لم يعالج دائي ، فالنساء ناقصات عقل و دين و بالتالي فميراث الرجل مثل حظ الأنثين !! 

 و شهادة امرأتين أمام شهادة رجل واحد ( باعتبار أن النساء ناقصات عقل !!) فلا يوجد منا دكتورة أو باحثة أو قاضية أو فيلسوف أو حتى امرأة عاقلة !!)

 و أن أكثر أهل النار من النساء !!  بل أكثرهم حطب جهنم ..

( تخيلوا معي  نحن معشر النساء مخلوقين للمتاع في الأرض للرجال  وفي الآخرة حطب لجهنم!! أو حور عين للجنة ).

و المرأة في الإسلام لا تخرج إلا لثلاث,  لبيت زوجها أو لحج بيت الله الحرام أو لتدفن . و آيات القتال في القرآن كم أرهقتني بحور الدم التي إلى الآن لم تقف باسم الدين ، تخيلوا معي بعد واحد و عشرين عاما و أنا أؤمن بشيء يسقط الآن ، وكانت هذه الفترة من عمري هي أصعب فترات عمري فكيف يحيا إنسان كان الله ملجأه الوحيد و الآن  بدون ملجأ ، بدون إله .

  ولكن بعد شهر من السهر و البكاء و انتظار الله الحقيقي أن يخترق السماء و يجيبني كنت أتعب من التفكير فأعود للقرآن فأنزعج أكثر و أشك أكثر ، فقررت أن أقرأ الكتاب المقدس لعلي أجد فيه الحقيقة ، و لكن الناس تقول بأن النسخة الأصلية ليست لها وجود لكن ما العمل. اذاً لا بد ا أقرأ هذه النسخة المحرفة،  غير الحقيقية ، لعلي أجد الحقيقة بين السطور. وبالفعل بدأت أقرأ الإنجيل و اكتشفت يسوع ، هذا الاسم الذي سمعته منذ سنين و جذبني  رأيته كيف كان يشفي المرضى ويطلق الأسرى أحراراً و يغفر للمرأة الزانية و يحب و يبارك أعداءه  ولأول مرة في حياتي أكتشف أنني لم أختبر قلب الأبوة و لا رعاية الأمومة فأبي و أمي منفصلين منذ زمن و أنا البكر بين أخوتي .

 والآن أشعر أن يسوع أبي و أمي و شعرت أنه يضمني إلى صدره يأخذني بين ذراعيه كطفلة و يسقط كل الأحمال التي أحنت ظهري و يشعرني لأول مرة في حياتي إني امرأة حقا. إنسان حقا . محبوبة حقا. ليست للمتاع أو السلعة بل مخلوقة على صورة الله ، فبكيت بكاء الناجين من النار بل بكاء الناجين من الموت.

في هذا اليوم قلت له يا يسوع أنت إلهي و مخلصي ، أنت أبي و أمي أنت كل شئ لي في الحياة.

 ومن هذا الوقت بدأت مرحلة أخرى ممتلئة بالأحداث و المعجزات و بالاضطهاد و لكن لكل هذا حديث أخر في المستقبل .

ليلى


مبارك شعبي مصر

اسمي: مظفر

ميلادي : تم في سنة 1969 .

 كنت الطفل البكر .. لعائلة متوسطة الحال في مدينة تتسم بالجمال والهدوء.

كبرت وتربيت على الإحساس بالمسئولية، كنت طفلا ليس ككل الأطفال، لا ألعب كثيراً ولا انزل إلى الشارع كأطفال الحي الذي أسكن فيه .. وكنت دائم الالتزام باخوتي الاثنين ( المتوسط حسن والصغير أنور ) لأن طبيعة عمل أبى في مدينة أخرى غير التي نسكن نحن فيها أجبرني  للالتزام .. وجعلني العب دور أبى الغائب اكثر أيام الأسبوع .

ومرت الأيام والسنون دون  مشاكل لي ولعائلتي، فمن الناحية الاقتصادية نحن شبه أغنياء، فتعليمي كان في مدارس خاصة. ومن الناحية الدينية، كنا مسلمين نصلي ونصوم .. نقيم الفرائض ولكن بشكل عادي غير متزمت أو متعصب.

 إلى أن جاء اليوم الذي فجر كل علامات الاستفهام بداخلي وغير مجرى حياتي .. من حياة عادية .. إلى حياة مليئة بالمفاجآت والمتغيرات. هذا اليوم يوم دخولي المرحلة الثانوية،هذه المرحلة المهمة جداً بحسب رأيي لكل شخص، لأن فيها يبدأ الإنسان في البحث عن ذاته.. في البحث عن أشياء تعود أن يتلقاها دون فحص أو امتحان أو حتى استفهام بديهي؟!!!

فكل منا توارث دينه .. ولونه .. ولغته .. وجنسه لم يختر أحد منا أي شيء من هذه الأشياء رغم أهميتها وتأثيرها.. وتشكيلها لكل منا، فنحن نتعامل بهذا التراث الجبري مع أنفسنا .. ومع الله .. ومع الآخرين فمثلاً : نحن المسلمون ولدنا وتربينا على كره اليهود وبعضنا تربى على كرهه اليهود والمسيحيين، وعلى أننا نحن المسلمون خير أمة أخرجت للناس، ولا يتخيل أحد منا أن الآخر اليهودي أو المسيحي أو .. الخ على صواب إطلاقا. هذه الفكرة ( صواب الآخر ) لا تأتي حتى في الأحلام!!

وعلى ما أظن أن قلة قليلة جداً هي التي تفكر في البحث عن الأشياء التي تسلمتها بالوراثة. وعلى مدى صحة هذا التوارث لأننا أن كنا نطالب الأخر ( اليهودي أو المسيحي ) أن يبحث في تراثه لاكتشافه وتنقيحه، لأننا على يقين مسبقاً انه على خطأ، ونعتبرهم عميان لأنهم يقبلون تراثهم دون فحص، فنحن بالأولى ينبغي أن نفعل ذلك ( المنطق يقول كما تريد أن يعاملوك الناس عاملهم أنت أيضا) وعلى ما أظن أن إعادة البحث في التراث .. و محاولة كشف حقيقته تجعلنا اكثر تجذرا وثباتا في مناطق الصواب فيه وتجعلنا مرنين ومتطورين ومتغيرين في مناطق الجاهلية والباطل فيه فبالتأكيد إن الإله الحقيقي يحب القوم الباحثين عن الحق وعن النور .. وعن الخير.. وعن الحياة الأفضل.

وبدأت المرحلة الثانوية بعلاقات جديدة .. ومدرسة جديدة .. مليئة بالمفاجآت والتنوع ( وعلى ما أظن أن المدرسة لن تنسى في تاريخها هذا الجيل) . تعرفت على طلبة ملحدين     لا تؤمن بوجود الله  وعلى طلبة من الجماعات الإسلامية المتعصبة إلى حد العنف ، وعلى طلبة يحيوا سنهم ومراهقتهم .. غير مهتمين بشيء غير البنات.. تنوع عجيب وثري .. وبالذات بالنسبة لي .فمن حياة عادية تقترب إلى حد الملل .. إلى حياة ثرية كماً وكيفاً.

وبدأت اصنع علاقات متعددة وعميقة إلى أن تعرفت إلى شخص أصبحنا في وقت قليل صديقين بمعنى الكلمة.{ أتخيل بعد 16 عام تقريبا من صداقتنا أن من لا يختبر الصداقة الحقيقية يظل وحيداً إلى الأبد .. لا يعرف معنى الدفء.. والمعية.. والصدق .. والإخلاص .. لم يكتشف الآخر لانه لم يكتشف ذاته أولاً .. "سامحوني فأنا متعصب للصداقة"  وكان صديقي الجديد ( باسل ) يحمل نفس أفكاري عن الإنسانية باعتبارها ذات منبع واحد هو أبونا آدم وأمنا حواء .. وان الإخاء والصداقة هو الشعور الذي ينبغي أن يحكم كل العلاقات الإنسانية وهو الوحيد القادر على تخطي كل الحواجز الوهمية منها والحقيقية ( حيث حاجز العقيدة واللغة واللون والجنس والطبقة )

وكان يقول: أن البشر لو عادوا لحقيقة الوحدة لم تكن هناك حروب أو مجاعات ولا صبح العالم اكثر سعادة مما نحن فيه الآن .. لأصبح العالم بيتاً صغير لعائلة كبيرة .. حيث السلام والعدالة والمساواة والحرية .

وكانت هذه المبادئ هي شغلنا الشاغل حتى في علاقتنا العاطفية كنا ننتمي لهذا النوع من الحب الأفلاطوني .. ( هذا النوع من الحب الذي يقدس الروح ولا يهتم بالجسد ) كانت لحظات وأيام وسنين جميلة حقا .

كنا مراهقين مثاليين .. نحمل قلب الأطفال .. وبراءة الأطفال .. ودهشة الأطفال.

حيث حلم اليوتوبيا ( المدينة الفاضلة ) كان حلمنا المفضل والمُلح في اليقظة وحتى في المنام.

أتذكر كنا نقضي ليالي كاملة في النقاش والقراءة .. وكانت لعائلتي شقة أخرى غير التي نسكن فيها، كانت بمثابة صومعتنا أنا وباسل .. كنا نقضي اكثر أوقاتنا فيها نكتب، ونسمع الأغاني التي نعشقها ونقرأ كل الكتب الممنوعة وغير الممنوعة ( باعتبار الممنوع مرغوب ومن وجهة نظري الممنوع مرغوب وأيضا مطلوب)

وكانت ممنوعاتنا من نوع خاص. ليست هي بالسجائر أو المخدرات ولكن ممنوعاتنا كانت من هذه الكتب التي حرم علينا قراءتها، لأنها كانت محرمة.

( ما تدخلنيش الجنة يارب لو للجنة سور ) صلاح جاهين

وكان صديقي باسل يثير أسئلة عديدة. أتذكر كان يقول لي أن دعوة التحريف التي يعلنها الإسلام عن اليهودية والمسيحية دعوة تسقط كل الأديان . حتى الإسلام ذاته.

كنت أقول له كيف؟! الإسلام الوحيد المحفوظ .. والمهيمن عليه وأقول له الآية الشهيرة ( إن نحن نزلنا الذكر وأنا له أتحافظون) فيقول، نحن نصدق هذا الكلام لأننا مسلمون .. ولم يحاول أحد منا أن ينظر لمسألة التحريف نظرة محايدة وموضوعية بمعنى.. هل الله هو الذي أوحي بالتوراة والزبور والإنجيل؟

أقول له: نعم

فيقول باسل هل مبدل لكلمات الله أو مغير لها.

فأقول له الآيات التي تعلن انه لا تبديل لكلمات الله و لا تغيير، فلا يقدر أحد من البشر أو حتى من الملائكة أن يفعل ذلك لأن الله هو القادر والقوي والجبار الذي يقدر أن يحافظ على كتبه.

فيقول باسل: أنت تؤمن أن الله قوي وقادر على كل شيء وجبار ولا مبدل لكلماته، فكيف سمح أن يحدث التحريف ليس فقط لكتاب واحد من كتبه بل لجميع كتبه ما عدا كتاب واحد.

فسمح بتحريف التوراة الذي أنزله على موسى!!

وبعد ذلك سمح بتحريف الزبور ( المزامير ) الذي أنزله على داود!!!

 وبعد ذلك سمح بتحريف الإنجيل الذي أنزله على عيسى!!!!

 وبعد 600 سنة تقريباً .. ستة قرون متكاملة .. أجيال ماتت وأجيال عاشت على الضلال وعلى تحريف الكتب المقدسة. آتى الله بكتاب لا يقدر أحد أن يحرفه !!!!!

فجأة اصبح الله قوي وجبار وغير مبدل لكلماته ، بعد كل هذا التاريخ الذي حرفت فيه كتبه وضلت فيه عباده ( بني إسرائيل الذي فضلهم على العالمين ) والقسيسين والرهبان الذين يتلون الكتاب ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر!!

كل هؤلاء ضلوا ..

 فهل تتخيل معي اله لم يقدر أن يحفظ كتابه من التبديل والتغيير والتحريف .. يقدر ان يحفظ عباده؟!!

كنت أفكر واصمت ولا أجد أجابه للرد عليه، لأنني كنت أعلم أن القضية ليست في إيجاد حلول أو إجابة تنقذ الله من المعضلة التي وضع نفسه فيها .. ولم يضعه فيها أحد.

 وفي نفس الوقت كنت أثق في علامات استفهام صديقي باسل وإنها استفهامات منطقية يسألها أي شخص عاقل يفكر وكنت اعلم أيضا انه يحمل نية خالصة لله لا يطلب منها رضا بشر أو متع الدنيا الزائلة.

وكان يقول لماذا ندعي نحن المسلمون بتحريف الكتب المقدسة وفي نفس الوقت ندعي بحفظ القرآن وحده ( وكأن القرآن وحده هو كتاب الله ) فهل يوجد لدى الله محاباة بين كتبه ورسله؟!!

وهل لا يهتم الله بهذه الأجيال من البشر التي ماتت في ضلال وهي تتخيل أنها ماتت على حق.. سنين من الإخلاص يقرؤون الكتب بكل تقديس وبكل طهارة وبكل تقوى وهي في الحقيقة كتب محرفة.

فيا صديقي.. أنا لا أؤمن بان الله الحقيقي يفرق بين أحد من كتبه ورسله ..ولا أؤمن حتى انه يفرق بين أعجمي وعربي إلا بالتقوى..

 ولذلك يا صديقي ينبغي أن نسأل كل هذه الأسئلة ليس لليهود أو للمسيحيين ولكن نسألها لله سبحانه وتعالى. كنت اشعر أن باسل صادق في كل كلمة يقولها، أتذكر أن بعض الليالي كنا نقضيها في قراءة الكتب الثلاثة (التوراة والإنجيل والقرآن ) نخرج التشابه والاختلاف بينهم.

كانت أوقات جميلة .. رغم أنها كانت مرهقة جدا فكريا ونفسيا .. لان النزاهة الفكرية والحياد في البحث أمر ليس بهين.. فلا يوجد اسهل من أن تخرج دينا صحيحا وآخر خطأ دون بحث حقيقي.. يرضي ذاتك ويرضي الله.

وكان باسل يقول لي هل العملة الجيدة تكون أولا أم العملة المزيفة تكون أولا؟

أقول له طبعا العملة الجيدة الحقيقية أولاً ، وبعد ذلك تقلد وتزيف .. فيقول المنطق يقول هذا ولكن كيف يسمح الله أن يكون كتبه الثلاثة الأوائل محرفة وكتابه الرابع ( القرآن ) هو الوحيد غير المحرف .. كيف؟!!

أين العملة الحقيقية التي نقيس عليها التحريف؟ الكتب الأولى؟ أم الكتاب الأخير؟!!

وكان باسل يتأسف كثيراً وهو يقول لي .. " سامحني يا صديقي كيف يجرؤ شخص سمح بهذا التفريط في كتبه أن يطالبنا بهذه الثقة في كتابه الرابع !!

هل تصدقوا إنني كنت اقبل هذه الاستفهامات الجريئة من باسل دون أدنى إحساس انه يسخر من الله أو من القرآن أو من أحد. فأنا اعرفه بحق انه يحب الله ويحترم الجميع .. لكنه فقط كان يفكر بعدالة وبأمانة وبلا أي محاباة.. فكان يقول لي دائما .. أن الآخرة لن ينفع فيها شفيع إلا الحق. فكان باسل يثير كل الأسئلة البديهية مثلاً كان يقول: كيف حرفت الكتب المقدسة ومتي حرفت واين حرفت ومن حرفها؟!

وكثير من الأسئلة التي لم ينشغل أحد من المسلمين الأوائل ولا المتأخرين ( من السلف أو الخلف ) من أن يبذل القليل من الجهد للإجابة عليها وكأن مسألة التحريف واضحة وضوح الشمس ولا يجهلها إلا الجاهل!!!

وكان صديقي باسل اكثر مني اهتماما بالأمور الدينية والأخروية.

 وفي ذات ليلة من ليالينا الجميلة المليئة بالنقاش والبحث.. اخترقنا الصمت نحن الاثنين في لحظة واحدة ، ولمعت في أذهاننا فكرة أيضاً واحدة ( نوع من توارد الأفكار التي كنا نسمع عنه) الفكرة كانت أن نصنع لنا ولأصدقائنا شبه كتيب يحمل مبادئنا وأحلامنا وأفكارنا وحواراتنا ولحظاتنا الجميلة.

في نفس الوقت كان هذا الحلم يداعبني ويداعبه، وبالفعل لم نترك اللحظة التي تحمل الحلم تعبر علينا عبور الكرام دون أن نرصدها ونوقفها ونبدأ في تحقيقها، وكانت هذه الليلة في سنة 1986 ليلة لا تنسى، كان اسم الكتيب ( لا نؤمن ) وكانت أفكاره تدور حول ما لا نؤمن به ، أتذكر هذه المقدمة المتمردة التي كانت تقول:

نحن أسرى العادات والتقاليد والأحاسيس المألوفة والحواس العاجزة.

وفي يوم جاءني باسل .. رأيت في عينيه شيء لم أره من قبل، وكأنه يحمل سرا لا يقدر صدره أن يحتمله. شعرت أن عينيه تسبق لسانه في إفشاء سره.

بدأ يتمشى أمامي ويتكلم بصوت عال وكأنه يفكر بصوت عال وليس يحاورني ( كان بالحق حوار خاص جداً).

وبدأ يقول : أنت تعلم أني ابحث منذ زمن بعيد واقرأ كل الكتب المقدسة وغير المقدسة وكنت أحاول دائما أن أكون محايدا ، فأنا لا ابتغي غير وجه الله وليس لدي أي نية مسبقة في إعلاء دين عن دين آخر.

وبعد وقت من البحث المرهق والليالي الباكية الباحثة عن لحظة أمن وعن حضن أب يحتوي تيه وترحال الابن الضال، لا اكذب عليك.. و أقول ان طريق البحث المحايد رحب أو مفروش بالورود، بل على العكس تماما في لحظات كنت اشعر أنى اغرق داخل طوفان من الأسئلة التي ليس لها إجابة، ولحظات أخرى كدت أتنازل عن هذه المحايدة النزيهة وامسك بأي دين كغريق يمسك بقشة ، ولكن لا اقدر أن أنكر أن قوة العلي كانت تظللني، كنت اشعر في ذروة الإرهاق والإحباط برجاء جديد يتسرب إلى روحي بقوة جديدة تعضد مفاصلي .. تنهضني .. معونة جديدة تجدد منابعي.. وكانت هذه الأشياء بمثابة علامات على الطريق.

كنت في كل صباح اجدد عهودي بالاستمرار نحو الهدف والمثابرة لاكتشاف الحقيقة لاكتشاف إلها يصالحني مع السماء .. ويصالحني مع ذاتي .. ويصالحني مع الآخرين.. كل الآخرين.. الأحباء منهم والأعداء ، إلها يقدر أن يغير قلبي .. بل يخلق في قلباً  جديدا.. قلباً يعرف كيف يسبحه .. كيف يرحم .. كيف يغفر .. كيف يرعى .. كيف ينير .. كيف يغير العالم إلى عالم افضل.

فهل تصدق يا صديقي أن هذا الإله الرائع العظيم وجدته..

هو مخلصي والهي وتاجي وعزي وسيدي وقضيتي ونضالي .. يسوع المسيح .

صدقوني رغم معرفتي الجيدة بباسل وبأفكاره المتطورة، لكن لا اقدر أن أنكر أن خبر ارتداده عن الإسلام نزل علي كالصاعقة. فصديقي الذي احبه.. قد ترك الإسلام وكفر، لم أستطع الرد عليه وشعر هو بصدمتي فتركني بمفردي أعيد حسابات صداقتنا وحسابات بحثي.

وبدأ القلق ينتابني وشعرت أن الشك بدأ يتسرب إلى مورثاتي ،  وأن جذوري تقتلع، فقلت لنفسي ان هذا الشعور بالشك الذي أصابني .. أصابني لاني لا أعرف ديني حقا ، وغير ملتزم التزاما كاملاً به ولعلي إن درست الإسلام والتزمت بكل فروضه ونوافله لأصبح لدى إجابات على كل الأسئلة التي تدور في رأسي ، وحينئذ سوف يتبخر الشك من قلبي وينبت بدل منه الإيمان الراسخ بالإسلام .. ديني ودين آبائي.

وبعد ذلك سوف اقدر أن اهدي صديقي باسل الذي ضل الطريق وكفر.

وبالفعل ذهبت إلى باسل وقلت له كل ما يدور في نفسي، وفوجئت برد فعله الذي كان بمثابة صاعقة أخرى لي فهو لم يرفضني ولم يرفض ما قلته ولم يستاء حتى ولو بوجهه ولكن على العكس إطلاقا، كان فرحاً بما وصلت إليه وكأنه كان يريد مني أن ادرس  الإسلام وان التزم بحق وان أصير مسلما بكل ما بالكلمة من معنى.

فشجعني باسل وقال لي ( الحق لا يعرف برجال ولكن الرجال يعرفون بالحق ) وان الله لم يترك شخصا يبحث عنه بصدق يقع في الضلال! ولذلك أنا لا أخاف عليك كما لا أخاف على نفسي. فأستمر فيما أنت مزمع أن تفعله ولتلتزم بالإسلام والله الموفق.

ولكن انتبه يا مظفر .. أن النية الصادقة وحدها لن تكفي للوصول إلى شاطئ الحق، ولكن النية الصادقة مع البحث المحايد والنزيه والعادل مع المثابرة بدون كلل ، كل هذا سيوصلك إلى شاطئ الأمان  بإذن الله، حيث الطريق والحق والحياة الأفضل.

وبالفعل بدأت حياة الالتزام والدراسة الإسلامية العميقة والتزمت في جماعة إسلامية تسمى الجماعة السلفية.

كنا نصلي معاً كل الفروض في المسجد، ونحضر دروس تعليم الفقه والعقيدة، ونخرج ندعو الشباب إلى حياة الالتزام الإسلامي، وكنت اذهب أنا والاخوة كل فترة للاعتكاف .. ثلاثة أيام، أو أسبوع، أو اكثر.. للعبادة والصلاة في مساجد في مدن أخرى.

وكنا نصنع المعسكرات لنقرأ القرآن ونناقش الأمور الدينية والسياسية المعاصرة والمُلحة على الجماعة.

وكان هذا تحت إشراف أساتذة جامعيين وصفوة شباب الأمة ( طب .. هندسة .. حقوق .. آداب) ورغم هذا الالتزام وتغيير كثير من أشكال حياتي القديمة في البيت ومع الجيران ومع أصحابي في المدرسة، فكنت أحرم التليفزيون والأغاني وكل أنواع اللهو.

وكنت آمر أمي وكل أقربائي النساء بلبس الخمار ( الزي الإسلامي للمرأة )  وآمر أصحابي كلهم بالالتزام بالصلاة في أوقاتها، كل علاقاتي تغيرت ، إلا علاقتي مع باسل .. لم أقدر على تغييرها رغم إننا أصبحنا الآن مختلفان إلى حد التناقض والتنافر في العقيدة، فهو كافر في نظر عقيدتي التي أصبحت الآن كل شيء، ولكن في نظر إنسانيتي التي لم أقدر أن أتخلى عنها .. هو صديقي الوحيد.

نعم هو كافر لانه اصبح مسيحيا، ولكنه صادق ومخلص وأمين ومحب للجميع.

وكنت أدعو الله دائماً أن يهديه للإسلام .. أتذكر أن الاخوة في الجماعة السلفية كانوا دائماً يطلبون مني أن اقطع علاقتي معه، وان أحاربه لأنه كافر ( أنه قد عرف عن باسل في مدينتا انه اصبح مسيحيا ) ونتيجة لذلك مر باسل باضطهاد ليس بقليل .

ولكني كنت أراه دائماً صلباً وبشوشا وغافراً ومحباً لمضطهد يه. وكانت هذه الأحاسيس تبهرني وتصيبني بشلال من علامات الاستفهام

 كيف يمتلئ بهذا السلام والحب وهو شخص كافر؟!!

كيف لا يبادلهم شرا بشر، وعينا بعين، وسنا بسن؟!!

كنت اعرف منه انه يشابه المسيح الذي يؤمن به. كان يقول انه يحب أعداءه ويغفر للمسيئين إليه ، وأمام هذا الحب كانت تتضاءل كل سنين التزامي بالإسلام ، وتشددي ، وتعصبي الذي جعلني لا احمل هذا القلب ولا احمل هذا الحب.

كان هذا الحب يواجهني ويواجه كل ما أعلنه بان ديني هو الدين الحقيقي .. وان الهي هو اله الكون ، وأننا خير واعظم أمة أخرجت للناس ، وان نبينا هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، كل هذه الأشياء لم تكن تصمد أمام هذا النهر الجارف من الحب. فكنت اهرب و أعود إلى التزامي، لعلي في يوم من الأيام أتغير و أصير أقوى من باسل ومن اله باسل فأواجهه وانتصر عليه.

وبعد سنتين كاملتين من الالتزام الكامل بالفرائض الإسلامية ومن البحث المخلص والامين بدأت اكتشف اكتشافا يهز كياني ويشككني اكثر من كل الماضي، اكتشفت أن كل العبادات الإسلامية لم تكن وليدة الوحي الإسلامي بل كانت موجودة قبل الرسول وقبل القرآن في الجزيرة العربية.

واكتشفت أيضا أن الشريعة وكل الحدود كانت تطبق قبل الإسلام وان كثيرا من التعاليم مأخوذة من التوراة

(رجم الزاني .. قطع يد السارق .. الخ )

وان المسيحية التي حاربها الإسلام والتي يقول عنها بان أصحابها يؤمنون بان الله ثلاثة ويرد عليهم بان الله لم يلد ولم يولد . { باعتبار انهم يقولون بان الله تزوج مريم وانجب المسيح ابن الآلهة}

وانهم يقولون أن المسيحيين اتخذوا عيسى وأمه مريم العذراء الهين من دون الله ، كل هذه المسيحية المعلنة في القرآن ، اكتشفت إنها ليست هي المسيحية الحقيقية ، ولكنها الهرطقات التي كانت موجودة في الجزيرة العربية قبل عصر الرسول وفي عصر الرسول.

فالمسيحية الحقيقية تؤمن باله واحد قبل الإسلام بستة قرون ، وبها تعليم ومبادئ سامية لا يقدر بشر أن يواجهها إلا وهو خاشع.

بعد أربع سنوات من الدراسة والنقاش والبحث والالتزام الإسلامي في الجماعة السلفية وسهر ودموع وبكاء لله تعالى لكي يهديني إلى الطريق الصحيح قررت التوقف وان أعيد حساباتي كلها، ولكن كان التوقف أزمة كبيرة فأنا ملتزم مع جماعة بشكل يومي في المسجد ودروس العقيدة والفقه والخروج للدعوة فكيف كنت اترك كل هذا فجأة وكيف احلق لحيتي ولا ارتدي الجلباب الزي الإسلامي ،

وكيف .. وكيف .. كيف ..

وماذا سيقولون عني بالذات وأنا لي علاقة بصديقي الذي اصبح مسيحيا، سيقولون أنني أصبحت مسيحيا مثله وتبدأ المشاكل ويبدأ الاضطهاد . ولكن رغم كل مخاوفي تلك لم أجد مفرا من مواجهة الحقيقة وجها لوجه ولكن بمنطق وبحكمة وبعد أربع سنوات من البحث المضني لا يمتلك الإنسان إلا الاعتراف بنتائج البحث مهما كانت ضريبة هذا الاعتراف. وبالفعل قررت التوقف وبدأت اطلب من الله أن يعرفني الطريق الحقيقي فأنا الآن اكثر شكا واكثر اهتزازا من كل الماضي في عقيدتي الإسلامية واكثر اقتناعا بالمسيح.

 ولكن رغم محاولات صديقي باسل لإيضاح كل القضايا والإشكاليات التي كانت تواجهني في المسيحية وعدم يأسه معي لمدة أربعة سنوات متواصلة شبه يوميا يتكلم معي عن المسيح بكل مثابرة وبروح مليئة بالجدية والثقة أصبحت أنا شبه مؤهل أن اقبل المسيح إلها ومخلصاً، ولكن كان يوجد شيء بداخلي ما زال لم يتشرب هذا الإيمان ، ما زال الإيمان بالمسيح لا يملئ كل كياني فقلت لصديقي باسل إنني لا اعرف السبب فقال لي ولا أنا اعرف ، ولكن هل تثق أن الله يعرف كل شيء وهو الوحيد القادر أن يجيبك وان يشبع كل مناطق الجوع التي فيك للحق؟ قلت له أثق.

قال وأنا أيضا أثق في الله لذلك دعنا نصلي له لكي يظهر ويعلن لك ذاته بوضوح فالله الذي نؤمن به إلها قريبا حقا ، لا يسمع فقط صلواتنا  ولكن يتكلم معنا لانه حي ويتفاعل معنا ليس وهم أو إيحاء نفسي نخدع به أنفسنا ونخدع به آخرين .

فقلت له أنا أؤمن بكل ما تقول يا باسل وبالفعل بدأت اصلي واطلب من الله أن يعلن لي  ذاته بكل وضوح كضال يهديني .. وكعطشان للحق هو وحده القادر أن يرويني ..

وكان هذا في سنة 1988 في ليلة من ليالي آذار الباردة جداً

 قضيت طول الليل في صلاة لم تنقطع .. ودموع لم تجف .. إلا عند اختراق الفجر لهذا الليل الطويل الذي كان يحمل مخاض الأربع سنوات .. فأنا متذكر بكل تفاصيله رغم مرور أحد عشر عاما عليه , كانت بالحق ليلة في قدس أقداس الإله .. أربع سنوات من الإرهاق ومن عدم الآمان ومن القلق ..

 رغم محاولاتي الدائمة لكي ارضي الإله لكي اشعر ولو للحظة واحدة انه معي .. انه قريب مني .. انه يشعر بي ولكن على العكس

كنت ازداد إسلاما فازداد وحدة .. كنت ازداد طاعة فأزداد قلقاًَ.. كنت ازداد خشوعا فأزداد خوفا..

أربع سنوات بلا سكينة أو هدوء أو طمأنينة أو أمان .. رغم كل ادعائي أن اله الإسلام اقرب إلينا من حبل الوريد!!!!

ولكن ها أنا الآن رغم عدم اعترافي بالمسيح إلها.. ولكن اقترابي منه فقط وملامستي لهدب تعاليمه ورفع قلبي نحوه عوضني عن سنين القحط والوحدة والمرارة .. ملئني بالفرح والسكينة وبهدوء لا اقدر ان أوصفه وبأمان لم اختبره طيلة حياتي .

وفي الصباح الباكر كنت أريد أن أهرول إلى الجميع إلى كل أهلي ومعارفي وأصدقائي لأقول لهم عن الكنز الذي اكتشفته عن الإله الحقيقي الذي عرفته عن يسوع المسيح الذي احبني فعشقته ..

 وبالفعل ذهبت إلى باسل وحكيت له كل قصتي من بدايتها وحتى نهايتها وكأنه لا يعرفها وكان باسل ليس في حالة الإصغاء التي تعودت عليها ولكن كانت دموعه تسقط بغزارة ولسانه لم يتوقف عن الشكر لله ,كأم كانت تستقبل ولدها وكأب انتظر أربع سنوات عند مشارف المدينة عودة ابنه الضال.    

مظفر


توبة أمام جامع

هذه قصة اهتدائي إلى المسيحية ، أسمي إبراهيم .. وكم أعتز باسمي العربي إنه اسم أبي الأنبياء  وأسمي الجديد الآن تيموثاوس لكن هذا لا يغير من واقعي إني إبراهيم، أبو خليل ، ابن الفلاحين البسطاء الذي تربى على الحصيرة واللمبة نمرة خمسة والجبن القريش والمذاكرة على الترعة والجلابية البيضاء التي زلت ألبسها حتى الآن .

في طفولتي قبل دخولي المدرسة الابتدائية  ، اصطحبتني أمي باليد وأودعتني إلى كُتاب القرية . وهناك تعلمنا القراءة والكتابة وحفظ القرآن على يد أحد الشيوخ. وفى أخر الأسبوع كان يتقاضى منا  (بريزة)عشرة قروش على بعضها ، في الكُتاب ترسخ في ذهني وقلبي طاعة الله فاطر السماء والأرض . وما إن بلغت المرحلة الإعدادية حتى أزداد اهتمامي بحلقات الذكر في المساجد . في بداية مشوار التدين ، بدأت أحضر حلقات العبادة الصوفية لجماعة القرية. كنا نهيم في ذات الرسول مبتهلين( نظرة ومدد يا رسول الله ) .

 وذات يوم عقب صلاة المغرب بمسجد المحطة ، أقترب منى رجلان وتعرفا علي،فكان الأول أسمه ( محمد) والأخر (سليمان) قال أحدهم حرماً فردت : جمعاً إن شاء الله . رأيت فيهما طيبة لا أنساها وحرص شديد على إرضاء الله سبحانه وتعالى ، متزودين من خير الزاد وهو التقوى . تعرفت على بقية أصدقائهما ، ذلك أنهم قوم تحابوا في طاعة الله ، فبهرني منهم ذلك الترابط العجيب . كانوا خيرة شباب بلدنا توسموا فِي ذلك الولع الشديد بعبادة الله ومقدرتي على الخطابة .

 كنت ألقى خطبة تلي خطبة أمير جماعتنا ، وذلك في الاجتماع الذي كان يعقد في الاثنين الأول من كل شهر عربي . لا تستغربوا إذا قلت لكم أني بدأت الخطابة في المسجد وأنا لم أتجاوز الرابعة عشر من عمري . لا لوم علي إن فعلت هذا ، الشافعي رحمه الله كانوا يستفتونه وعمره 6 أو 9 سنوات ، أذكر أني أول ما وعظت به في المسجد كان حول الطريقة المثلى للاحتفال بالمولد النبوي ، كنا نجتمع على الصوم والإفطار في المسجد جماعة إن شاء الله ، مقتدين بالرسول في كل شئ حتى في أصغر الأمور" كطريقة مشيه و تعوذه و طريقة الأكل والشرب و الملبس .. الخ" .فأنا أدين لهؤلاء الأخوة بتشجيعي على القراءة والبحث والاستقصاء ، وبسبب هذا وصلت إلى ما أنا عليه الآن.

في يوم فوجئت بأحد أصدقائي يقول لأبى إن إبراهيم أحد الخطباء في الجماعة السنية، و أنه يحضر معهم اجتماعاتهم العلنية و السرية  فتضايقت لأن هذا الصديق الذي قال لأبي ذلك هو نفس الشخص الذي شجعني في البداية أن ألتزم بالدعوة الإسلامية و أن أصبح عضوا في جماعة الأخوان المسلمين  فاندهشت !.لأننا  كنا نجول معاً من مسجد إلى مسجد لنشر الدعوة . كم كنت أتمنى لو أن والدي حاضر في المسجد أثناء إلقائي الخطبة.

ولكن بعد إفشاء سري لوالدي أصدر والدي إلي التحذيرات و التهديدات المرة تلو الأخرى لعلى أتراجع عن موقفي وأبتعد عن الإخوان المسلمين . لأننا كجماعة أصبحنا معروفين إلى هذا المخبر الذي يدعى محمد  الذي ينقل كل أخبارنا و تحركاتنا إلى مباحث أمن الدولة  كان يسجل خطبنا ويسلمها لمكتب أمن الدولة في المنطقة . كنت أشعر بشيء من الزهو بنفسي والأخ منير  يسجل خطبي في المسجد ، لكن لا أنا ولا أبى كنا فرحانين بأن أسمي وصل أمن الدولة ، عندئذ ضاق بوالدي الأمر خوفاً على سلامتي ، فذهب إلى الإخوان المسلمين في الجامع وصرخ فيهم أمام الناس أن يبتعدوا عنى . ثم أتى إلي وضربني وكسر أسناني ، إلى الآن السن الأمامي مكسور وتحمل ذكرياتي مع الإخوان المسلمين ، ولأول مرة في حياتي حرق والدي كتبي الدينية خوفاً علي من ( الجماعة السنية ) ثم حلف والدي على أمي بالطلاق لو أنني إستمريت في دخولي جامع السنية هذا مرة أخرى ، فأستر حمته أن يأذن لي أن أجلس خارج الجامع حتى أستمع إلى شيوخ الإخوان المسلمين دون أن أنقض يمينه . فكان يجلس إلى جواري خارج المسجد وأنا كلي آذان صاغية .

 لم يوقفني التهديد ولا الوعيد عن نشر الدعوة الإسلامية ، فكنت أقف بين زملائي في طابور الصباح كل يوم خطيباً إسلامياً جهورياً . في ذلك الحين فرضت الحجاب على أختي وأحجمت عن مصافحة النساء والاستماع إلى الغناء خوفاً من أن يُصب الله   الرصاص المسكوب  في أذني يوم القيامة كما حذرنا الرسول . تعرضت لكثير من السخرية والاستهزاء من الجيران لاجتهادي على تطبيق القرآن والسنة النبوية بحذافيرها . فما ذنبي إن كانوا قد قالوا لي أن الإسلام صالح لكل زمان ومكان وأن (الإسلام هو الحل ) ؟ !

وبينما أنا أجاهد على نشر الدعوة الإسلامية خطر في بالي هداية أصحابي المسيحيين إلى الإسلام لعلي أفوز معهم عندئذ بالجنة .

و لو سألتني في ذلك الوقت عن رأيي في النصارى لأجبتك بأنهم كفار ومشركين ولكنى اكتشفت من داخل القرآن نفسه عكس هذا الكلام لما جاء في سورة المائدة أية 82 :[ لتجدن أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين قالوا انا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون ] . بموجب هذه الآية فصل القرآن ما بين النصارى وما بين الذين أشركوا . فلو كان النصارى من المشركين لما فصل بين الاثنين .

 أيضاً في سورة البقرة 62 يشهد القرآن للنصارى بالتوحيد والحق :    [ إن الذين أمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين , من أمن بالله واليوم الأخر ، وعمل صالحاً فلهم أجرهم عن ربهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون ] حاولت إقناع المسيحيين بالإسلام سواء التقيت بهم في المدرسة أو في المناطق المجاورة لنا أو عن طريق المراسلة التي أشعلت الصراع الديني في داخلي و جعلتني أقارن بين الإسلام و المسيحية من فيهم الصواب و من فيهم الخطأ ، من فيهم طريق الله و من فيهم طريق الشيطان لمدة عامين كنت أصارع .. كثير من الأوقات قررت فض هذا الصراع الداخلي بأن أتوقف عن مطالعة الكتب المسيحية والاكتفاء بتلاوة القرآن مع مطلع كل صباح جديد والسير على هدى النبي . أردت راحة البال مطيعاً لله مخلصاً له الدين و ترتب على ذلك إني تخلصت من كتبي المسيحية حتى أكون مسلما موحدا بالله .

 لكن الله عز وجل لم يتركني وحالي ، فكان ينخسني في منامي بروحه القدوس ، فإذا ما أويت إلى الفراش لم يهدأ لي بال و لم  يرتح لي ضمير ، قضيت الليالي الطوال بلا نوم أو راحة .

تساءلت : " لو أن محمد فعلاً خاتم الأنبياء فلماذا لا يأتي في أخر الأيام بدلاً من المسيح حكماً مقسطاً عدلاً ، ويكون بذلك محمد أحد علامات الساعة لا المسيح ؟!!

 وما السر وراء عظمة المسيح من بين كل الأنبياء حتى صار هو مركز التاريخ ؟ ألسنا نقول بأن هذا الحدث التاريخي حصل قبل الميلاد وذاك الحدث حصل بعد الميلاد[ ق.م ، ب.م ] ؟ ما السر وراء عظمتك يا عيسى  أبن مريم؟

 هذه الأسئلة و أكثر منها جعلتني أقرر عقد مقارنة بين المسيح و محمد [ و بعد وقت من المقارنة اكتشفت أنها مقارنة غير عادلة حتى في القرآن ]. ففي قلب القرآن نفسه لا تجد المسيح يستغفر الله على أية خطية أو ذنب كما فعل باقي الأنبياء والمرسلين  ،( لأن المسيح صدق حينما تحدى قادة اليهود قائلاً : " من منكم يبكتني على خطية ؟ في حين أنه هو الذي وبخ اليهود على تقواهم الزائف حينما أمسكوا بامرأة تزني في ذات الفعل ، وقال لهم : " من منكم بلا خطية فليرجمها أولاً بحجر " فانصرفوا عنه وضمائرهم تبكتهم) .

 على العكس من ذلك وجدت محمد شأنه كشأن باقي البشر بحسب القرآن نفسه مساو لهم في كل شئ في ذنوبه و عدائه للكفار و موته مثل كل البشر  ، جاء في سورة محمد 47 : 19 [وأستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ] ، وفى سورة الفتح 48 : 2[ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ] ، وفى سورة الإسراء 17 : 74 [ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً.]جاء في أسباب النزول للإمام السيوطي الآتي : " وأخرج عن محمد بن كعب القرظي : أنه صلى الله عليه وسلم قرأ " والنجم إلى أفرأيتم اللاتي والعزى فألقى عليه الشيطان : تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى، فنزلت وما زال مهموماً حتى أنزل الله : " ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى  الشيطان في أمنيته فينسخ  الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله  السيوطي  . كان هذا سبب نزول الإسراء 73 : 74 [ وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لا اتخذوك خليلاً ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً] . لم أجد في الإنجيل ما يقول إن المسيح كاد أن يركن إلى المشركين لولا أن ثبته الله . السبب في ذلك هو ما تعلمته من دراساتي بأن المسيح هو كلمة الله . وبما أن الإنجيل قد دون باليونانية و يعلن لنا أن المسيح هو كلمة الله من زاوية أنه عقل الله المعبر ..فالمسيح هو عقل الله . والله  وعقله ذات واحدة ، لا تجزئة ولا انقسام ولا انفصال ، فالمسيح الكلمة المتجسد هو الله الظاهر في الجسد حيث لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة أو طرفة عين .

 كل هذه الأفكار كانت تدور في عقلي ، ولكنها كانت تتصارع في قلبي،لأني كنت أخاف أن ينزل علي غضب الله ،( غضب الله الذي ينزل على القوم الكافرين ) لذلك من الأعماق صرخت وأنا ساجد في المسجد و في البيت صرخت و قلت : يا رب اظهر لي الحق . لو الحق مع محمد سأتبعه حتى الموت .

 ولو الحق مع المسيح فسوف أتبعه أيضاً حتى الموت

 وسوف أعيش لك بالكامل و أخدمك يا رب كل أيام حياتي مهما كان الثمن .

 ظللت أدعو الله بهذا الدعاء حتى تراءى لي المسيح في رؤية في حلم وقال لي بصوته الحنون : " أحبك " . تأملت في شدة محبة المسيح المضحية إذ بموته على الصليب قد افتدانا و كفر عن سيئاتنا ، وقلت له ودموعي تنهمر على خدي : أحبك : و أعرفك : وأعرف أنك الألف و الياء و أنك أزلي أبدي , البداية و النهاية .

 كنت كطفل يرقص من شدة الفرح مسبحاً الباري سبحانه وتعالى لأنه وهو قاضي العدل الديان قد قضى أمره عز وجل أن يموت ابنه لئلا نموت في جهنم ،ونصير من الخالدين فيها . نحن لا نقول إن الله سبحانه وتعالى له ولد من صاحبة والعياذ بالله . كل من يقول إن الله سبحانه وتعالى له ولد من صاحبة ( أي زوجة ) نعتبره كافراً بالله لأنه ما أتخذ الرحمن صاحبة ولا ولداً ، نحن نقول إن المسيح ابن الله كولادة النور من النور والشعاع من الشعاع فهي بنوة روحية ، فنحن المصريون أبناء النيل ومنها لا نفهم أن النيل قد تزوج . ليست كل بنوة أو ولادة تناسلية لذلك نقول في قانون الإيمان عندنا : " ونؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله الوحيد المولود من الأب قبل كل الدهور  إله من إله ، نور من نور، إله حق ، مولود غير مخلوق ، مساو للأب في الجوهر به كان كل شئ وبغيره لم يكن شئ مما كان ... في الوقت الذي نشهد فيه أن لا إله إلا الله ولا نشرك بعبادته أحداً . وما هي إلا أسابيع قلائل حتى تعمدت فى السادس من سبتمبر لعام 1987 في بيت قسيس فكانت المعمودية في قلبي تاريخ ميلادي الثاني وأنا أكتب لكم هذه السطور بخط يدي ،و قد مضت إحدى عشر سنة على اعتناقي المسيحية قد أوصيت زوجتي أن يكتبوا على قبرى عندما أموت عبارة "المسيح متنصر" . أجل كل من في الأرض فان و يبقى وجه المسيح ذو الجلال والإكرام . كل الأنبياء قبورهم موجودة الآن ويحجون إليها أما قبر المسيح فهو فارغ لأن المسيح الآن في السماء ملكًا منتصراً ، لأنه بموته على الصليب دان ذاك الذي له سلطان الموت . لك المجد يا حبيبي يا يسوع .

 قام أقرب أصدقائي بسرقة مذكراتي " الأجندة " وسلمها للأخ سليمان الذي تآمر مع أصدقائي لفضحي ،  فدبروا لي مكيدة ، و صوروا مذكراتي التي تشرح إيماني بالمسيح  ووزعوها على أهل قريتي و بالفعل فضحوني ( لكنهم أرادوا بي شراً و الرب أراد بي خيراً ) كما فعل أخوة يوسف الذين رموه في غياهب الجب :فكلمة الله تقول " كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله " .

و أصبحت عائلتي تشعر بالخزي و العار، فلم تكن والدتي قادرة على السير بين الناس ، إذ صاروا يشيرون بأصابعهم عليها بأن ابنها جلب عليها العار وصار مسيحيا ، فقالت لي أنها قد تبرأت منى ليوم القيامة لم يكسر شئ قلبي سوى الجرح و المهانة و الذل الذي سببته لعائلتي و والدتي و لكن ما الحل ؟

لا: مستحيل أن أترك إيماني بالمسيح  ، رغم حبي لوالدتي الذي يزداد يوماً بعد يوم مهما ضربتني بحذائها على رأسي،

وفى يوم لبست والدتي الملابس السوداء لإعلان الحداد وقالت للجميع أن أبني إبراهيم مات ،

وذات يوم أجتمع أهل القرية لتعذيبي و ضربي و لاستتابتي لكي أرجع للإسلام و كان ذلك أمام أمي و عائلتي ، و ركعت أمي وسجدت على ركبتيها راجية تتوسل إليهم ألا يؤذوني فداسوها بأقدامهم و أمي المسكينة تصرخ تحتهم و هم يقولون ( فضحتمونا ..فضحتمونا ) ، وفي قلب هذا الانتهاك صرخ أحد شيوخ القرية قائلاً:ما ذنب المرأة الضعيفة في ابنها الذي أختار طريق الكفر ، ما ذنب أمه ؟

فأشكر الرب لأنه لولا الريس  ، لكنت اليوم في مقابر الشهداء ،و بدأ جميع أصحابي في الابتعاد عني لأنهم رأوا أني سأجلب العار عليهم ، ويصيرون مشبوهين . ومن هذا الوقت صرت نزيل مشهور في نقطة البوليس و في مباحث أمن الدولة، و كان لابد أن أبيت عندهم حماية لي ولعائلتي من أهل قريتي الذين ثاروا وهاجوا وأرادوا حرق منزلنا، وحرقوا كتبي المسيحية ، والبوليس صادر ما استطاع من كتبي و مذكراتي وكأنه يصادر أملاك مجرم مخدرات ،

و في ذات يوم كانت توجد رقابة بوليسية حول البيت بما لا يسمح بدخول أي شئ يتعلق بالمسيحية إلى بيتنا لكن كلمة الله لا تقيد ، فجاءتني كلمة الله في ورقة صحيفة مسيحية حيث كانت الطعمية ملفوفة في الصفحة الأولى من الجريدة وكان مقال للبابا شنودة ومنه كرر آيات مثل " لا تخف لأني معك " وأيضاً " لا أهملك ولا أتركك ، تشدد وتشجع ، لا ترهب ولا ترتعب  ، لأن الرب إلهك معك حيثما تذهب " آيات من الإنجيل تخترق هذا الحصار البوليسي لتشددني و تشجعني و تعضدني في وقت أنا في ذروة الاحتياج لمعونة الإله و كانت هذه الآيات بمثابة تأكيد لي من السماء  .

في نفس اليوم الذي جاءت فيه ورقة الصحيفة هذه طرق باب بيتنا مخبر من أمن الدولة ومن الرعب قام أحد أفراد أسرتي بخطف الورقة مني بما فيها من آيات التعزية من الإنجيل وحرقها في النار . وفي اليوم التالي وجدت نفس ورقة الصحيفة في الشارع الذي  بجوار بيتنا ، كانت والدتي تستيقظ كل يوم في الرابعة باكرا كل صباح تنوح وتئن ضارعة إلى الله حتى أرجع إلى الإسلام .

نعم لا يوجد في المسيحيين شئ أغلى من أمي ، أمي عندي أغلى من أي مسلم أو مسيحي لكن هناك من هو أغلى عندي من أمي ومن حياتي بالكامل : وهو سيدي يسوع المسيح . إن كنت لا أحبه أكثر من نفسي فلا أستحق أن يكون لي نصيب معه. جربت والدتي كل حيلة على وجه الأرض لإرجاعي إلى أحضان الإسلام فذهبت إلي الشيخة لكي تعمل لي عمل " أي سحر " ولاسيما إن الجن قد أمنوا بالقران " . لسوء حظ الشيخة إني كنت أصلى إلى الله عز وجل باسم يسوع المسيح ذلك الاسم الذي يرعب الجن بشدة فلم يؤمنوا به لذلك قالت الشيخة لوالدتي هذا الكلام بالحرف الواحد : " أبنك ماشي في طريق عمره ما حا يسيبه ".

 وقصص عجائب الله معي كثيرة وأتشجع كلما تذكرتها وكلها علامات على الطريق أرى فيها حنان الله الأبوي يحملني من البداية في الطريق التي سلكتها حتى جاء بي إلى هذا المكان لمدة عشر سنين والله لم يتخل عني ولو للحظة واحدة . و للحديث بقية.

إبراهيم


المسيح له مختارين

كان والدنا منذ الصغر  يعلمنا كيف نصلي وكنا نراه دائماً ملتزماً بذلك أبي وأمي شخصيتان بسيطتان لكنهما أمينان في عبادتهما وشكل حياتهما . أبى موظف وفر لنا معيشة متوسطة الحال تعلمت أنا تعليماً متوسطاً (دبلوم تمريض ) وحتى ذلك السن لم أعرف الكثير عن أمور ديني غير ما يجب علي من التزام بالصلاة والحجاب ، لم تكن المسيحية ولا المسيحيين يشغلوني . فقد كنت أستحرم أن أفكر في دين يتسم بالكفر وبعد تخرجي وعملي في مستشفى داخلي تعرفت على بعض البنات المسيحيات معي في الغرفة كما كان معظم الأطباء مسيحيين . ولأول مرة أتعامل مع أشخاص من هذا الدين ، بل أعيش معهم فأنا كنت أخذ أجازه كل شهر لم أجد منهم غير كل حب ومعاملة حسنة على عكس توقعي فقد كنت أظن أنهم سيعاملونني بشكل سيئ نظراً لأنهم في المستشفى الأكثرية     نحن المسلمين الأقلية في العمل. فانجذبت لهم وبدأت أسأل طبيب عن بعض الأمور الصغيرة التي تلفت نظري كصورة المسيح المصلوب مثلاً . وبدأ يجاوبني عن أسئلتي  وطلبت منه أن أعرف أكثر فبدأ يعطيني شرائط وعظ تشرح لي أمورا كثيرة كنت أسمعها دون أن يعرف أحد وعندما بدأت أقتنع ببعض الأشياء بدأ يلفت نظري شخص المسيح في القرآن وحثني على البحث عن الآيات القرآنية التي تتحدث عنه وبالفعل بدأت أقرأ كل هذه الآيات وأتأمل في معناها فوجدتها تنسب للمسيح أمورا لم تنسب لشخص أو لنبي أخر وجدت فيها صفات الله وشعرت وكأنني لأول مرة أقرأ هذه الآيات وكأن عيناي تنفتح على معان أعمق بكثير مما تربيت عليها ، وبدأت قناعتي تزيد وبدأت أطلب من الدكتور الذي يتابع أخباري بأن يشرح لي معنى التثليث والصلب وبالفعل أجابني عن كل الأسئلة وكانت كل الإجابات تقول لي بأن المسيح هو الله حتى القرآن نفسه أوصل لي تلك المعلومة وهذا المعنى.

سافر أستاذي الدكتور لمدة عام وأنا أكتشف وأتيقن كل يوم هذا الأمر حتى عايشته مع نفسي بالكامل وبدأت أصلي ليسوع كإله أعترف به ! وفي يوم وأنا في عنبر الفتيات ليلاً  وأنا جالسة على السرير أفكر في المسيح وفيما يجب أن أفعله حتى اعتمد وأغير ديني بشكل جذري وأعيش هذا الدين الجديد كل هذه الأفكار كانت تتبعها صعوبة الموقف من حيث رد فعل الأهل لو عرفوا سوف أواجه صعوبات  كل حياتي .

وتعبت من التفكير فقررت أن أنام وفيما أنا مستلقية على السرير ولم أغمض عيني وكان نور الحجرة مغلقا إذ بي أرى المسيح وكأنه في أرض واسعة يمد يده لي وكأنني في بحر عميق على وشك الغرق وحولي أناس كثيرين لكن لا أحد منهم ينقذني سوى المسيح ! وتكرر المشهد ثلاث مرات وبعد ذلك عدت لوعي  وإذ بي في قمة السعادة وأعلن بصوت عال رأيته . ظهر لي . وعندما سألني أصحابي ماذا حدث ضحكت وقلت لهم لا شيء . لكني كنت أشعر أن تلك الليلة هي أسعد ليلة في عمري وشعرت بسعادة وفرح وسلام يغمرني لم أشعر به طيلة حياتي. 

ومن هنا بدأت أواجه أزمة حقيقية بالفعل فأنا لم أنكر إيماني وهم يتهموني بالجنون ويأتون لي بالعرسان وأنا أرفض لمدة ثلاث سنوات إلى أن تقدم لي شاب وكان أهلي مصرين على آن أتزوجه وذهبنا في ذلك الوقت الى الإسكندرية لنصيف ولما كنا في المياه نلعب وجدت أبي وأخي يحاولان أن يغرقانني ولما بكيت قلت لهما لماذا تفعلا ذلك ؟ فقالا لي لن نميتك ولكننا نريك بأننا نستطيع أن نفعل ذلك إذ لم تتزوجي هذا الشاب وتراجعت عن ذلك الجنون الذي يسيطر عليك ؛ وكذبت عليهم وقلت لهم بأني موافقة على العريس وبالفعل لبسوني الشبكة ورجعت إلى عملي بالمستشفى بالمحافظة الأخرى وأني أثق بأن الأمور سوف تتغير ولكني في هذه الفترة قطعت اتصالي بهم ولا أدري ماذا سيحدث بعد ذلك . لكن ما أعلمه الآن هو أنني أحب المسيح وأعيش لأجله مهما واجهت من متاعب . 

فاطمة


من المسيحية الاسمية إلى الإسلام ثم إلى المسيح

كم تؤثر فينا طفولتنا ومعتقدات الآباء وكيف يعيشونها ، كيفية الحب والإخاء ، كيفية وجودي في أسرتي ، أذكر كل هذه الأشياء وكأنني مازلت طفلاً أحياها . ذكريات بعضها مؤلم وبعضها لا يحزن ولا يفرح  أيضاً  ، كثيراً ما كنت أرى مشاجرات أمي وأبي ، لم تكن  لي سوى أخت واحدة . كم نمنا والدموع في أعيننا بلا عشاء لشجارهم الدائم . أبي شخص ميسور الحال ووفر لنا كل سبل المعيشة الجيدة وساعدته أمي في ذلك ،  نحن أسرة مسيحية ولكننا لا نعلم ماهية مسيحيتنا أو لماذا ، لم أتذكر مرة أن حاول أبي أو أمي أن يتكلما معي عن الله وعن مسيحيتنا ، لم أتذكر  مرة شجعونا الى الذهاب للكنيسة كنت انطوائي ممتلئا بالمشاكل النفسية إلى أن وصلت لسن المراهقة بدأت أقرر أن أعيش حياتي بشكل مختلف بعيدا عن جفاء الأسرة . كانت أختي مثلي مليئة بالتمرد والكراهية ولكن كانت لها علاقات صداقة تستدفئ بها فكانت تخرج وتمرح معهم , قررت أن أعيش مثل أختي لي علاقات لا يهم إن كانت علاقات رديئة أو سوية المهم أن يكون لي أصحاب ولي عالمي الخاص . تعلمت التدخين وشرب الخمور والسهر وإقامة علاقات غير شرعية مع بعض السيدات منذ أن كان عمري ستة عشر عاما حتى عشرون عاما . ولكني لم أجد ذاتي في كل ما أفعل فكل اللذات لا تتعدى سوى دقائق ولم تتحقق الأحلام والسعادة التي أتمناها ؛ أصبحت منقسم شخص يمرح ويسكر ويفعل كل شئ بفرح . وكيان داخلي لا يمس ولا يتذوق هذا الفرح .

لم يكن هناك أي علاقة بيني وبين أختي لكن كل منا كان يعلم ما بداخل الأخر فنحن مشتركان في الحزن والحرمان من حنان الأب والأم وفقدان سلامنا في البيت وأيضاً فقدان علاقتنا مع الله .فلم يكن الله يشغل أي جزء من تفكيري فلم أعرفه يوماً ولم يكلمني عنه أحدا فالفكرة التي بداخلي عنه هو أنه خلقنا وتركنا فالله في عرشه في السماء منزه عن أن يتدخل في أمورنا نحن البشر لكن وضع أمامنا الصواب والخطأ ، وهناك يوماً للحساب سيمارس فيه الله سلطانه ووظيفته وهي عقاب الخاطئ وثواب المحسن  فالله  خالق ومعطي الوصايا وسيحاسبنا عليها لا أكثر من ذلك ولا أقل. تخرجنا من الجامعة أنا و أختي والحال على ما هو وكان هناك بعض العرسان تقدموا لخطبتها لكنها كانت ترفض كانت ترفض بشدة وأبواي لا يعلمان لماذا هذا الرفض وأنا أسمع ولا أهتم وفي يوم في حوالي الساعة الثالثة صباحاً كنت راجعا الى المنزل مخمورا ووجدت أبي وأمي في حالة سيئة للغاية ولم أركز في البداية لتحديد حالتها لكنها حاولا أن يوقظاني بأسلوب مهين جداً سب وشتائم ولا أعلم سببه فهم يعلما بأن هذه حياتي . وعندما بدأت أفهم لماذا كل هذا الغضب فهمت بأن أختي لم ترجع حتى تلك الساعة المتأخرة بحثنا عنها وبلغنا الشرطة عنها ولم نجدها، تأثرت جداً لاختفائها رغم علاقتنا السطحية لكني كنت أحبها وأعلم بأنها شريكة في آلامي التي لم نتحدث عنها معاً يوماً وبدأت أشعر بأن أبي وأمي في حالة من الانكسار رغم استمرار المشاجرات واتهام كل منهما للأخر بأنه هو السبب في اختفاء أختي ولكني أرى الانكسار في أعينهما ولكنهم لم يصرحوا بذلك وبعد أيام لم تتجاوز شهر اتصلت بنا أختي وكانت المفاجأة !! أختي تزوجت من شخص مسلم ودخلت الإسلام وكان هذا ناقوس الخطر لي من هو الله ما هي الديانة الحقيقية وكل ذلك لم أفكر فيه من قبل وما هو السبب الذي دفع أختي لذلك الأمر وما مغريات الدخول في الأيمان الجديد ؟ 

 أسئلة كثيرة دارت بداخلي وعندما اتصلت أختي مرة أخرى بكت أمي وترجتها بالرجوع كما ترجاها أبى لكنها قالت أنها مقتنعة بما ذهبت له وأنها غيرت أوراقها وأسمها لمسلمة وأنها حامل وتريد أن تربي أولادها على هذا الدين الإسلامي اندهشت لتمسكها هذا وطلبت أن أراها . وبالفعل أعطتني عنوانها وذهبت إليها فرحبت بي واستقبلتني بحرارة لم أرها قبل هذا كما رحب زوجها بي جداً وبدأت أسأل عن تفاصيل ذلك الدين وبدءوا يشرحون لي بعض الأمور الإيجابية فيه كما بدءوا يقنعوني بأن المسيحية ما هي إلا كفر وشرك بالله . وبما أنني لم أعلم شيئا عن ديني الأساسي فلذا كنت سهل الاختراق ، أثروا في بسهولة وتلقيت كل ما تكلموا به معي بسهولة وباقتناع فأنا لم يكن عندي ما أقارنه به وكانت معلوماتهم تدخل على عقلي الفارغ ونفسي المريضة . وأعلنت لهم اقتناعي ولكن طلبت فترة أقرر فيها حتى لا أندم فيما بعد . وبدأت أفكر ووجدت أن أختي تعيش سعيدة جداً وتؤدي فرائض الدين الجديد كلها ولكني بدأت أسأل نفسي هل هي سعيدة حقاً ؟ وهل تشعر من خلال هذه الفرائض التي تؤديها لله حقاً وهل يستجيب لها في هذا الدين ؟ وكل هذا كان يدور في داخلي بصراع عنيف ولكن لم يعلم به أحد وبالفعل فقد اتخذت قراري لعلي أجد نفسي في هذا الدين الجديد ولعلي أجد الله أيضاً وأعرفه وبالفعل رتبت كل أموري وجهزت كل أوراقي  . وقبل أن أنام دق جرس الهاتف وقامت والدتي بالرد عليه ثم قالت لي أنه تليفون لك وعندما رفعت سماعة الهاتف سمعت ترانيم وموسيقى جذبتني جداً ، ووجدت سيدة تقول لي هل تسمح لي بمقابلتك الآن ؟ اندهشت جداً وقلت لها هل أنتٍ تعرفيني فأنا لم أعرفك من قبل ؟ ولم أعطيك رقم هاتفي ؟ وعندما سألتها عن سبب الزيارة فقالت لي أنني أريد أن أصلي معك  [ أنني أعلنت لبعض الأصدقاء بأنني سوف أعتنق الإسلام وحتى أسرتي ، فأنا لم أعد أخاف سلطتهم أو سلطة الكنيسة ولا حتى سلطة الله ] فأنا كنت أشعر بأني أتبع الله الصحيح في الإسلام فكان يهمني خلاص نفسي بعد الحياة الفارغة التي أعيشها.

كثيراً ما حاول بعض الأصدقاء أن يتكلموا معي أو يصلوا معي أو يأخذوني للكنيسة ولكنني كنت أرفض بشدة معلناً بأني حر في اختيار  قراري هذا !

ما حدث هذه المرة مع هذه السيدة كان مثيرا حقاً فقد قلت للسيدة أهلاً بك دون تردد وأعطيتها العنوان . وبعد حوالي ربع ساعة دق جرس الباب وبعد أن عرفتني بنفسها طلبت أن تصلي معي وبالفعل وافقت فقد كنت مطيعًا عن غير عادتي ولم أسألها حتى من الذي قال لك عني . صمت غريب و استجابة غير عادية وغير منطقية لكن هذا ما حدث. وبدأت تصلي معي ووجدت نفسي أبكي بشدة متأثرا بكلماتها طالباً من الله الحقيقي أن يقف جانبي إن كان ما أنا مقبل عليه هو الصواب وكان معها زوجها و أبنتها الصغيرة والأغرب أن طفلتها الصغيرة قالت لي  بأنها ترى يسوع يسكب عليها ماء واندهشت لذلك وعندما سمعوها قالوا لي أن المسيح يعمدك أتى إليك لأنه يحبك ويريدك . وطلبوا مني أن أقابلهم صباحاً للذهاب معهم للكنيسة لأنني لابد أن اصنع علاقة بشكل مختلف مع المسيح وأنه لابد أن أتعلم كل أمور الدين, وتركوني ومضوا على أن نتقابل في الصباح لكن لم أكن متيقـناً تماماً حتى هذه اللحظة واتصلوا بي صباحاً فأعلنت لهم ترددي فأتوا إلي وأخذوني وفيما نحن داخلون الكنيسة قالت سيدة لي أريد أن أقول لك شيئاً ثم سكتت وترددت وعادت إلي بعد قليل تعلن لي أن يسوع يقول لك [أنا هو الطريق والحق والحياة] وبدأت أبكى متأثرا جداً بكل ما حدث مندهشاً أن الله يؤكد لي بطرق لم أتوقعها أنه بالفعل الطريق والحق والحياة وبدأت حياتي تأخذ شكلاً جديداً وبدأت أواظب على الكنيسة وبدأت أتعرف على الله من جديد ، الله الذي كنت أتخيله بعيداً في سماه لكنه أتى بنفسه ليخلصني لأنه يحبني. وبدأت أبتعد عن كل الأمور الخاطئة في حياتي( الخمر والزنى) قد بدأت أقيم علاقة جديدة مع أبي وأمي حتى قدتهم لعلاقة حية مع الله فكل شئ أختلف الآن كلنا نذهب للكنيسة ونصلي بالمنزل لم يعد الشجار يأخذ مكاناً مثلما كان بل الله المحب لمس كل فرد فينا ونحن الآن نصلي بلجاجة ونرفع صلاة من أجل أختي ، طالبين من الله أ ن يعيدها إلينا .   

 أشرف


القصيدة

مقدمة

كتبت هذه القصيدة في لحظة اضطهاد من أجل إيماني بالمسيح (عندما يتجرأ مسلم أن يأخذ قرار الإيمان بالمسيح في نفس اللحظة يأخذ قرار حمل الصليب)

 

صامدون …… صامدون

إلى عار الصليب نذهب .. وعلى العار نثور

ومن الوحي نكتب .. وعلى الأرصفة ندور

ملحدون ملحدون .. بكل آلهة السلطة الغريبة

بكل دوائر الموت السوداء .. بكل الخرائط الكئيبة

أوقفوا التابوت وقولوا للموت قم .. قم وانتفض

قم وانتفض من غبار الغفلة .. إلى جمال المدينة

ملحدون ملحدون .. بكل أضرحة الكتيبة

بهذا المولد الذي لا إمام له .. بهذا الشعر الغجري

فمازال قلبي عذراء ثوري

ومازلت أقف بين صفوف الأطفال

في المدارس وعلى الأرصفة

وفي الأزقة وبين التروس .. وفي الكوارث

صامدون .. صامدون

مهما صنعوا من أنسجة خلايا الجسم نعشاً ..

مهما وضعوا في كل أغنية قنبلة ..

مهما أطفئوا فتيلتنا المدخنة ..

مهما أغلقوا حانات الفقراء ..

وجعلوا من الأحذية أطعمة

صامدون صامدون

بقلوبنا سنحارب

بقصاصات ورق الإنجيل سنحارب

بوعود المسيح لنا سنحارب

سنستخدم كل أسلحة الكون .. البيضاء

بالتسبيح .. والصلاة سنحارب

صامدون صامدون

من غرف الإنعاش .. ومحطات الموت

ومن الزنازين الحمراء ستخرج الثورة

فيها ملايين العظام من عظمي

ملايين الجماجم من جمجمتي

تحمل حقائب السفر .. أكفان السفر

وقلبي العذري وزجاجة ماء من دمي ..

لا.. لن أعطش

برغم السفر طويل ..

والحزن طويل .. والثورة أطول

صامدون صامدون

مهما حاولوا الالتفاف حولنا

فكالقش  أمامنا

مهما زادوا الحصار .. مهما زادوا الحصار

فهناك دار خلف مليون جدار ..

فالثورة كائنة..

وهذا الوجه الذي يحاصرنا وجه مهزوم

لم يتعلم الانتصار إلا على الطلقات الساكنة

تجمعوا تجمعوا وكونوا كالبنيان المرصوص

واعلموا أنكم شرفاء ولستم بلصوص

تجمعوا فقد حان الآن وقت الالتحام

واجمعوا كل الأغنيات الصغيرة .. فهذا ديناميت الحرب

واملئوا مخازنكم من القهوة ..

وأجنحة الطيور وأشعار النسور

فقد حان وقت الحرب .. فلا هروب ولا غرب

صامدون صامدون على نواصي الأزقة

وبين سطور الأوراق .. وعلى مذبح الإحراق

فحان وقت الحرب

فهم يريدون أن يذبحوا إبرام واسحق

فلا تهتزوا يا رفاق .. و لا تهربوا

نحن قادرون على امتلاكها

لا تنكروه مثل التلاميذ وقت الصلب

نحن قادرون يا رفاق..

ونحن فوق الصليب أن نغني أغنية جديدة

وكل أغنية منا..

تقدر أن تلد ألف أغنية جديدة

ألف شهيد على يد الطاغية نيرون

في الجب رجال .. أو في أي أتون

نحن بالمسيح قادرون على امتلاكها

فليعلو الصوت

فنحن صوت صارخ في البرية

صامدون .. صامدون يا رفاق

ولا تصمت أيها الصامت الثوري .. في أي مكان

ولتنكسر زجاجة الصمت في فمك .. فأنت مخلوق لها

لا وقت للانحناء الآن فانتفض

فانتفض والتزم بالنضوج حجارة

فجليات لا يقتله غير داود .. فأنت هو

فلتحمل الشعلة ولتحمل البوق

ولا تزحف بأرجلك  كثيراً ..

بل هرول إلى ميدان المعركة

واملأ صدرك بالسجود للميتة المباركة

صامدون .. صامدون يا رفاق

فلا تراجع الآن .. فالعار كل العار للموت الجبان

فأنت في الأمس  شجاع 

وأنا أعلم أنك أمس واليوم والي الأبد

فلا هروب الآن

فالجياع ينادوكم والأسرى .. والزهرة والبستان

فلا مفر .. لامفر أن نموت

لا مفر من الاستشهاد

ولكن لنترك لهم حضوراً في التابوت

مسيحاً في كل أغنية .. وفي كل بيت .. وفي كل سكوت

صامدون صامدون مهما حاولوا الإغراء ..

 بالترهيب او بالترغيب

كل الاغراء فاشل .. فنحن لا نخون أحلامنا

فأجعل العفة تنتصب .. اجعل العفة تنتصب

فلا شيء يغرينا سوى أرجل الأطفال وعيون الفقراء

وجوع البشر للبشرى .. وجوع الأرض للمطر

مزق ثوب الأرض البور ..

واقذف عليها بكل ما فيك من قوة فتلد الحصاد .. 

فانتصب فالحصاد كثير

فجل و اصنع خيراً .. وحرر كل من تسلط عليهم شرير

تقدم .. تقدم بأنهار الماء الحي .. فهذا عصر التبشير

فلا تخف .. فلا تخف فهذا الوقت وقت خطير

واملأ قلبك بالحب .. فثورة الحب تجعل الخوف يطير

وكل إله غير إلهك إله شرير

أفيوناً للشعوب وسذاجة تفكير

أما مسيحك فطريق للإصلاح وشمس للتنوير .. فلا تخف

كل الآبار التي هي ضدك مشققة ..

قبور مبيضة .. مزخرفة .. وريقات كتب عليها الموت

صامدون  صامدون  سنبشر

بداخل الزنازين سنبشر

وإذا كان حبساً انفرادياً .. سنبشر خلايانا

سنبشر ذرات الهواء .. سنعمد القضبان

سنخلص الجدران .. سنضيء المقبرة بنورك

لن نصمت .. وان صمتنا فالصمت لن يصمت لكنه سيبشر

الأرض .. والسماء .. والجبال .. والتلال .. والعصافير

والأشجار .. والحب .. والأمطار و الزنازين ستبشر

أحصدونا .. أحصدونا ..

فدماؤنا قد تعلمت المخاض

وستلد رجالاً يقفوا في الثغر .. أحصدوهم أيضا

فنحن نريد أن نكثر وهذه طريقة الإكثار

أحصدونا .. أحصدونا فلا خوف بعد الآن ولا انكسار

وحاصرونا بكل قوتكم ..

سنخرج من بين أيديكم ..ومن خلفكم

فإلهنا إله جبار

من يقوى علينا ..

فإلهنا ملك الملوك ورب الأرباب .. فهو الوحيد البار

صامدون .. صامدون .. سنبشر


هكـذا عــرفـت  الله

مقدمة الاختبار:

قد لا أملك ما يلائم بداية شهادتي هذه إلا أن أشكر الله من أعماق قلبي من أجل هذا التحول العجيب والإيجابي في حياتي، وكذلك حياة كل من يطلبه بإخلاص ، إذ قد قادني بإرادته وقوته الساحرة منتشلاً إياي من أفواه الأسود وحظيرة  الهالكين ، والغريب في ذلك أن هذا التحول لم يكن بدافع مني أو انعكاس لشيءٍ سمعته، أو كلمة ألقاها أحد من الخدام أو المبشرين إلي  ؛ بل على النقيض من ذلك كله ؛ إذ في الوقت الذي كنت أسعى جاهداً لإحباط خطته لخلاص العالم ، والهجوم الشرس على كلمته ، وكذلك من يؤمن بها، كان هو قد أعد العدة كاملة وبإحكام لاصطيادي بشباك لا يمكنني الهروب منها ؛ وهذا هو شأن الإله الحي الذي يبحث عن الضال إن كان صادقاً في توجهه حتى ولو كان معاكساً له ، فهو يبسط يديه لكل تائب ، وينشر نوره لكل تائه في ظلمات العالم ويقرع بهدوء على كل بيت فقير وخرب ليملأه بالغنى الروحي ويعمره بالطهارة والقداسة  فهو يعطي بسخاء ولا يعير ، ولا يعطينا كأفعالنا؛ لكن حسب وعوده وبمقدار رحمته وبميزان عظمته.

ولا أخفي سراً إنني قد ترددت كثيراً في كل مرة كنت أحاول فيها كتابة هذه الكلمات ؛ ذلك لأني قد خشيت أن أكون مبالغاً في ما أقول ، أو أن ينظر إليّ كشخص فوق العادة يبحث عن مجد له لا يستحقه في حين المجد كله لله ، وجانب آخر كان يحول بيني وبين كتابة هذه السطور ألا وهو الكبرياء والغرور الذي كان ما يزال هناك منه بقية باقية لم أكن قد تخلصت منها ؛ إذ اعتبرت الإفصاح عن عمل الله في حياتي إهانة قد توُجه إلى شخصي الذي كان شديد القسوة على أتباع ذاك الإله الحي الذي تعامل معي وفتح لي عيني لأرى النور الذي لم أكن أعرفه من قبل ، وكما سنقرأ في الصفحات التالية ؛ لم أجد بد من أن أعلن استسلامي في تلك المعركة غير المتكافئة بين شيطان يسكن بداخلي وإله قدوس يعرض عليّ خلاصه ويفتح لي ذراعيه لأتكئ على صدره الدافئ والحنون ؛ حتى استطعت أن أردد مع أيوب " بسمع الأذن سمعت عنك أما الآن فقد رأتك عيني " واطلب كما طلب داود " قلباً نقياً اخلق في يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي " ذاك هو الرب يسوع المسيح كلمة الله الأزلية وروحه الذي لا ينفصل عنه ، إنه  هو الطريق والحق والحياة ، هو من يؤمن به فلا يموت وإن مات فسيحيا ، هو الذي لن يعطش من يقبله ولا يجوع من يأتي إليه هو الأول والآخر  هو الرب يسوع  المسيــــح .

حيـــاتـي قبــل الإيمــان :

كان لا بد لي أن أتكلم ولو بإيجاز عن حياتي قبل الإيمان ؛ لأنه من خلالها ستتضح مدى  محبة الله لنا نحن البشر، وتظهر أنه في الوقت الذي نسعى نحن جاهدين لمقاومة عمل الله ؛ يسعى هو في الاتجاه المضاد ليجتذبنا إليه كراعٍ يبحث عن قطيع له قد ضاع في البرية الفقراء الجرداء . فقد نشأت في أسرة متدينة أصولية إلى أبعد الحدود ، مما دفعني إلى أن أسلك نفس المسلك الديني الأصولي ، إما بإرادتي أو بحكم النشأة الأسرية ، وبدأت مشواري مع الكُتاب الصغير الذي كان يقع على أطراف قريتنا الصغيرة الواقعة في إحدى محافظات الوجه القبلي على مسافة 200 كم جنوب القاهرة  ، كان اهتمامي في البداية  مجرد حفظ ما كان مقرراً علينا من السور القرآنية في مادة التربية الدينية بالمدرسة  ثم تدرج ذلك إلى اهتمام شخصي نابع من حبي لكلمات الله ، وفي تلك الأيام كان المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ينظم مسابقة سنوية بصفة دورية بين طلاب جميع مدارس الجمهورية في حفظ جزء أو جزأين من القرآن ، طلبت مني والدتي أن أشارك فيها ، وأول مرة شاركت فيها حصلت على المركز الأول وكانت الجائزة 10 جنيهات فرح بها والدي كثيراً وكان يشجعني على المشاركة باستمرار ليس إلا للفوز بالعشرة جنيهات ،، استمر ذلك حتى استطعت حفظ أكثر من خمسة عشر جزءاً من القرآن قبل أن أنهي المرحلة الإعدادية ، وأكملت ما تبقى منه في المرحلة الثانوية ، كنت في هذه الفترة أقيم مع الأسرة في منزل العائلة الذي كان يضم بقية أعمامي وأولادهم ، وكان واحد من أبناء أعمامي شديد التدين، إذ كان يدرس في إحدى كليات جامعة الأزهر  ، وكان يشجعني على قراءة الكتب وفي بعض الأحيان كان يشتريها هو لي على نفقته الخاصة ، لكن في أثناء هذا الوقت انتقلت أسرتنا للإقامة في بيت منفرد عن بيت العائلة هذا ، وسافر ابن عمي إلى إحدى البلاد العربية ليعمل إمام وخطيب لمسجد هناك ، واستمرت إقامته هناك مدة عامين ، وبعد عودته في إحدى المرات أفهمني أننا لسنا على الإسلام الصحيح الذي يدخل من يدين به الجنة ؛ لأننا لا نعرف إلا القليل ، وأنه قد تقابل هناك بقيادات مسلمة واخوة فارين من ظلم الحكم الطاغي هنا ، وطلب مني التعمق في دراسة بعض الكتب للإمام ابن تميمة والشيخ سيد قطب وابن حزم الظاهري ، ورغم صعوبة أفكار بعض هذه الكتب إلا أنني أعجبت بها كثيراً ؛ إذ كانت هذه الكتب تضع منهجاً شاقاً يصعب على المرء  منا أن يؤديه كما هو  فمثلاً وجدت هناك حديث يقول : من أكل مع مشرك أو ساكنه فهو مثله من هنا بدأت أدخل إلى مرحلة جديدة في حياتي الدينية ، إذ بدأت أتفحص الناس من منهم الكافر ومن منهم المسلم ، وبدأت أيضاً أجمع النصوص التي تسهل علي تمييز المسلم من غير المسلم حتى أرسم وأحدد علاقتي به حسب نوعية كل منهم، حتى وجدت نفسي أمام موقف صعب جداً إذ أن والدي ووالدتي بناءاً على ما وصلت إليه يعدا من الكافرين ، فوالدي كان يدخن ، ولا يطلق لحيته ، ووالدتي لم تكن تصلي وكانت تسب الناس كثيراً  ، كذلك اخوتي كانوا كفاراً أيضاً فمنهم من يجلس يشاهد التليفزيون ومنهم من لا يصلي ، ومنهم من يحلق لحيته ومنهم من يدخن السيجارة ، لدرجة أنني قد منعت أخواتي عن تكملة الدراسة في مراحل مختلفة ، وطلبت من والدي أن يطلق والدتي لأنها لم تكن تتجاوب معي مما أثار والدي  علي ، وصلت في نهاية الأمر إلى أن والدي ووالدتي وإخواني مشركون ، وسألت هل يجب علي مقاطعتهم وعدم الأكل أو النوم معهم ؟ فأجابني ابن عمي  نعم ، فقلت إذن وأين سأذهب ؟ قال : تعال عندي . هل تثق في عمك وامرأته من حيث الإيمان ؟ قلت : كلا فهما مؤمنين حقاً ، قال إذن فاذهب وأتي بأمتعتك لتعيش معي بعيداً عن حياة الكفر والشرك التي في بيتك ، حملت أمتعتي ورحلت وسط دموع والدتي وأخوتي ولم أشفق عليهم بل كنت أقول إنه لا مقام لي بينكم اليوم إذ أنكم كافرون  وكنت في غاية السعادة وأنا أراني أهجر بيتي في سبيل الله.

استقر ابن عمي في القاهرة واستأجر شقة بالقرب من جامعة الأزهر حيث كان في السنة النهائية مما اضطرني للعودة ثانية لبيت أبي     أجر أذيال الخزي  والانكسار ، وسألت ابن عمي ألا يعد رجوعي هذا معصية ؟ قال : لا  " فالضرورات تبيح الممنوعات " وقرأ عليّ آية سورة البقرة " فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فلا إثم عليه " ففرحت كثيراً بذلك ، كنت آنذاك في الثانوية العامة وقررت الاجتهاد حتى لا يقال بأن التدين يعيق الدراسة ، ونجحت وحصلت على نسبة مئوية عالية أهلتني لدخول كلية الطب بجامعة القاهرة ، وبعد ذلك بدأت انفصل فكرياً بالتدريج عن ابن عمي إذ قرأت كثيراً من الكتب كان هو يرفضها قائلاً : إنها تحمل أفكار التكفير والهجرة أو خوارج القرن العشرين ، كان كلامه هذا لي دافعاً قوياً لأعرف ماذا يقول هؤلاء الناس الذي نسمع عنهم ولم نقابل أحد منهم ؟

وجدت داخل الكلية كثيرا من التيارات السياسية داخل جماعات صغيرة وقانونية مما دفعني أن التحق بالجماعة الدينية بكليتي لكي لا نترك الساحة لهم ، كان مقرر الجماعة أحد أعضاء هيئة التدريس وكنت أميناً عاماً لها ، وكان معنا رجلاً آخر مسئولاً  عن الاتصالات بالجماعة    لا أخفي أنني وجدت متاعب كثيرة داخل الجماعة لأنهم كانوا يعيشون حياة إسلامية تقليدية بعيدة كل البعد عن المفهوم الصحيح للإسلام من حيث تعاملهم مع غير المسلمين ( لا أعني المسيحيين بل المسلمون بالاسم فقط )

بدأت طموحاتي الدينية تنمو باطراد وكنت أسابق الزمن للوصول إلى حالة لا تقل عن حالة من كنت أسمع عن صولاتهم ضد الحكومة والنظام ، فبدأت بتكوين نواة لجماعة صغيرة أقوم بتلقينها الإسلام كما فهمته ، وكنت ألمس فيهم الطاعة والخضوع ، كنا نصلي معاً في زاوية بعيداً عن المساجد لأنها كما علمنا ما هي إلا مساجد ضرار بنيت على غرار ما بناه اليهود لإعاقة دعوة الرسول .

شعرت بعد ذلك بضرورة ترتيب علاقتي بكل الناس كلُ حسب موقفه وفهمه للإسلام ؛ فكل من لا يقبل ما نقول فهو كافر ويعامل معاملة الكفار " لا يتخذ المؤمنون الكافرون أولياء من دون الله " ، لم جد في ذلك صعوبة لأننا كنا مدفوعين برغبة وحماس شديدين لأن نعيش كما كان رسول الله يعيش وكانت تتراءَى لنا صورة أبوعبيدة بن الجراح الذي قال عنه محمد أنه أمين هذه الأمة عندما قتل والده الذي رفض الإسلام ، كذلك صورة مصعب ابن عمير الذي لم يرضخ لتوسلات والدته وتركها تموت لرفضها الإسلام ، وكذلك أبو بكر الذي قال لوالده  لو أنني أدركتك لقتلتك ، كل هذه الصور كانت تنمي داخلنا القسوة على الأهل والأصدقاء إن هم رفضوا إسلامنا ، ولم يكن ذلك لمجرد الكراهية بل على العكس كنت أتألم وأنا أرفع صوتي تجاه والدتي ووالدتي وأسب أخي وأخوتي وأهددهم بالقتل ، لكن الدافع كان الرغبة الصادقة لديّ لأن أطيع الله ورسوله وأصل إلى ما وصل إليه هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، وكنت أضع نصب عيني حديث الرسول الذي يقول : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من ماله وولده ونفسه التي بين جنبيه " .

كان هناك فرقة أو طائفة من الناس نحن بحاجة إلى تحديد علاقتنا بهم وتعاملاتنا معهم حسب نصوص القرآن والسنة : وهم أهل الكتاب  والحقيقة كان هم النصارى لأن مصر يندر فيها تواجد اليهود  وإن وجدوا فلا يقيمون علاقات مع أحد . من خلال البحث عن سلوكيات الرسول تجاه النصارى ، وجدنا الصورة قاتمة جداً ، لكنها كانت مريحة لنا إذ كنا نغار منهم في بساطتهم وحسن  معاملاتهم ، وسرعة إقامتهم لصداقة مع مسلمين اسميين ، كان لديهم برود غريب تجاه ما كنا نوجهه إليهم من مضايقات  والتي فسرناها على أنها مجرد محاولة قذرة منهم للخروج من عزلتهم وهم الأقلية في مجتمع أغلبيته من المسلمين ، ولم يك أمامهم سوى هذا الخبث والدهاء في حسن معاملة المسلمون لأنهم إن أبدوا غير ذلك فلن يكون لهم مقام وسطنا ، وهذا هو بعينه ما قاله القرآن عنهم من أن الله سيضرب عليهم الذلة والمسكنة ، بدأت كراهيتنا للنصارى في صورة مضايقات في الشوارع والطرقات ، لكنهم كانوا يقبلون ذلك بوداعة تثير اشمئزازنا مما يدفعنا لزيادة الكيل من المضايقات ، فبدأنا نفكر في كيفية إرهابهم فعلمنا أن الله قد أحل دمائهم وأموالهم وقال عنها أنها " فَيِء " أي تأخذ بدون حرب مثل ما فعل الرسول بيهود بني قريظة ، إذ حاصرهم وقتل شبابهم وسبى نسائهم واستحل نخيلهم وأجلاهم عن المدينة ، رغم أننا لم نكن قادرون على عمل ما عمل محمد لكن كنا نسطوا على محلاتهم وننهبها ، ووصلت درجة عداوتنا للنصارى إلى درجة التعدي على كنائسهم ودور العبادة في أماكن متفرقة من القرية التي كنت أقطن فيها   كان أشدها هو التخطيط وتنفيذ عملية تدمير إحدى الكنائس ، أثار هذا التصرف شعور الحكومة حيث تظاهر الأقباط ضد هذا العمل وكان يبدو أن الحكومة مسرورة بهذا السلوك ؛ إذ كان يتم معاملتنا داخل الحبس على أفضل ما يكون ، وعندما أنهينا فترة السجن هذه خرجنا واستقبلنا أهالي القرية استقبال الأبطال مما دفعنا للتمادي في ذلك لكن بطرق أكثر دقة وحكمة لا تمكن الحكومة من القبض علينا . كل ذلك تم في فترة وجيزة وتناقل الطلبة في الكلية هذه الأخبار مما دفع أحد قيادات التكفير والهجرة إلى طلب الجلوس معي ليعبر لي عن فخره بشجاعتي وحبي لله ورسوله ، علمت أنه من جماعة شكري  ففرحت وتمنيت لو كنت واحداً منهم ، كان صديقي هذا حريصاً جداً في حديثه معي وفي إحدى عطلات الصيف قمنا بتنظيم معسكر للجماعة الإسلامية  بالكلية وحصلنا على الدعم المادي لهذا المعسكر  من إدارة الكلية  كان الهدف من هذا المعسكر هو أن نقضي أنا وعضو التكفير والهجرة أكبر وقت ممكن للمناقشة وتداول الأفكار حول الإسلام ، بعد المعسكر طلب مني صديقي أن أبدي رأيي في الجماعة الإسلامية   وهل أريد الانضمام إليها لو أتيحت لي الفرصة ؟، وكان يردد على مسامعي الأحاديث التي تتكلم عن ضرورة الانضمام لجماعة تقيم كتاب الله وسنة رسوله مثل قوله : من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية " ، و لا إسلام بلا جماعة ولا جماعة بلا أمير " شعرت أنه لا بديل لدي سوى الانضمام للجماعة ما دمت أحب الله ورسوله ، وهذه الجماعة هي أفضل ما رأيت من حيث توافق فكرها مع ما كان بداخلي عن الإسلام ، تم ترتيب لقاء لي بالقاهرة في منزل أحد الأعضاء بالقاهرة ووضعت يدي بيد الأمير شكري قائلاً " أبايعك على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن أوثرك على نفسي إلا أن أرى منك كفراً بواحاً " لم تكن البيعة مجرد كلمات تردد ؛ بل كانت كأنك تضع حياتك في يد الأمير وتكون قد بعت نفسك لله وللرسول ، الحقيقة كنت سعيداً جداً بهذا اليوم ولم  أسعد أكثر من هذا اليوم إلا يوم معموديتي . غرست البيعة هذه في نفسي شيئا من الخضوع وعدم الخوف وتنفيذ كل ما يطلب مني بدون التفكير في ما ينتظرني من ألم أو مشاكل لأنني اعتبرت ذلك طاعة لله وللرسول ،  وكنت مستعداً لأن أفعل أكثر مما يطلب مني ، بدأت القسوة تظهر على تعاملي مع أسرتي وكنت لا أسلم عليهم ، وعندما يسألونني كنت أقول لهم إنكم كفاراً إنكم تشبهون الذين قال الله عنهم " هل أدلكم على الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهو يحسبون أنهم يحسنون صنعا " طلب والدي مني أن أرشده لما يجعله مسلماً في نظري فقلت له أولاً تطلق لحيتك ، لا تجلس للراديو فوافق ، فقلت له إن والدتي لا تصلي وتارك الصلاة كافر وعليه فهي كافرة وحياتك معها حرام فثار والدي وحلق لحيته وكاد يضربني بحجر كان أمامه لولا أنني هربت منه ، هناك نقطة للأمانة أريد أن أذكرها ، وهي إن أول شيء جعلني أتحمس للانضمام لجماعة التكفير أنها كانت شديدة القسوة على النصارى الذين كنت أكرههم وأريد نصوصاً قرآنية تؤيد كراهيتي هذه بحيث انطلق تحت مظلة قرآنية فلا يحدث لدي شيء من تأنيب الضمير في ما أفعله.

بعد ذلك عينني  شكري أميراً لمجموعة في ضواحي القاهرة وكان يعبر لي عن إعجابه بي وبإخلاصي فأطلق علي لقب " أبوعبيدة "   كان كل فرد في الجماعة يحمل اسماً حركياً ولم نكن نعرف أسماء بعضنا البعض الحقيقية .

زادت ثقة شكري بي فقام بإرسالي إلى عدة دول عربية وأجنبية ممن كان يتواجد بها أعضاء الجماعة وقمنا بالتعاون معاً لاجتذاب أعضاء جدد وأخذ البيعة منهم نيابة عن الأمير العام شكري مصطفى ، كانت هناك بعض المضايقات من الحكومة ؛ مما اضطرنا للهجرة لأوقات قصيرة لجبال المنيا والبداري وأسيوط  ، لكن في كل مرة كان يتم القبض علينا وترحيلنا للقاهرة ثم الإفراج عنا ، هذا كله كون لدينا جميعاً شعورا بأن الهجرة الآن أصبحت أمراً لا مفر منه إذ لا مقام لنا بين ظهراني المشركين عملاً بنص الحديث : أنا بريء من كل من أقام بين ظهراني المشركين " ،  وهذا تطلب منا أن نرسل أحد الأعضاء للبحث عن أنسب مكان يمكننا أن نهاجر إليه الهجرة الكبرى التي لا يحق لنا الرجوع منها إلا لإقامة الدين والقضاء على نظام الحكم الأرضي الذي لا يحكم بما أنزل الله ، وفي أحد الأيام من عام  1977جاءنا أمر بضرورة البحث عن شقة مفروشة في أحد الأماكن الشعبية دون أن نسأل لماذا ، قمت أنا وأحد الأخوة بالبحث عن هذه الشقة واستأجرناها دون أن ندري سبب ذلك ، وفي صباح اليوم الثاني علمنا أنه قد تم اختطاف الشيخ محمد على يد رجال من جماعتنا ، وبعد لحظات من سماعنا هذا البيان زارنا أحد أفراد الجماعة وحكى لنا ما تم بالضبط ، كان الشيخ محمد دائم التهجم على أفكار الجماعة ، وللحقيقة كان يكتب عنا أمورا غير حقيقية مثل أننا نزوج المرأة لأكثر من رجل  وقد وجهت إليه الجماعة تحذيرات متكررة للتوقف عن مهاجمة الجماعة إلا أنه استهان بهذه التهديدات والإنذارات ، علمنا من أخينا أن الهدف من هذه العملية هو الضغط على الحكومة للإفراج عن بعض القيادات التي تورطت في العملية الفنية العسكرية  ، كذلك طلب فدية مادية تمكننا من تغطية نفقات الجماعة المتعددة ، فوجئنا في مساء يوم الاختطاف هذا بالقبض على معظم إن لم يكن كل أعضاء الجماعة في كل مصر ، حتى من كان له أدنى علاقة بنا دون أن يكون عضواً  أدخلنا معتقل القلعة وقضينا عامين تحت التعذيب والتحقيق في ما كان يعرف بقضية الانتماء لجماعة مناهضة لنظام الحكم ، بعد ذلك أطلق سراحنا فهربنا خارج البلاد ، وانتشرنا في عدة دول عربية انتظاراً لأوامر من الأمير الذي عينه شكري بدلاً عنه ، كانت هذه بداية تفتت وانهيار الجماعة وأقول بكل صدق وأمانة لو لم تكن عملية الشيح محمد هذه لكان للجماعة شأن آخر في تسيير الأمور بمصر .  كنا كما سبق أن قلت قد أرسلنا من يبحث عن بلد يمكننا أن نعيش فيه فترة استعداد للجهاد الأكبر ، وكانت النتيجة مشجعة ، وبدأ بعض الأعضاء يهاجرون إلى هذه المنطقة تباعاً ، جاءني رسالة بمكان الهجرة فتوجهت إليهم في أوائل عام 1980 ، وبدأنا نرتب كيف سنقيم في هذه المنطقة ؟

خاصة وأننا قد علمنا أنها منطقة صحراوية خالية من السكان اللهم بعض البدو الذين يسلكون خلالها للتجارة. انتهينا من كل الترتيبات وبدأنا نرحل على مجموعات متفرقة حيث لم يكن لدينا سوى سيارة واحدة ، كان من ضمن أعضاء الجماعة كثيرون من مواطني البلدة التي هاجرنا إليها مما ساعدنا على سهولة التعرف على جغرافية المكان وعادات وتقاليد هذا المجتمع الجديد ، حفرنا آبارا للمياه ، قمنا بعمل كلمة سر بيننا ، وتناوبنا حراسة المعسكر وقمنا بتدريب من لا يعرف إطلاق النار ، ووفرنا لكل فرد سلاحا شخصيا للدفاع عن نفسه وقت الضرورة ، سارت الحياة بالنسبة لنا أول الأيام في فرح وسرور إذ كنا نتذكر هجرة الرسول وننتظر اليوم الذي سنعود فيه إلى مصر فاتحين كما فعل الرسول عند خروجه من مكة ، وكان كل واحدِ منا يترك أهله الكفار ويهاجر في سبيل الله لا يفوته أن يردد هذه الأبيات الشعرية التي كانت تبث فينا الحماس والنخوة الإسلامية غير مهتمين بما قد يواجهنا من صعوبات فكل شيء يحدث لنا هو في سبيل الله وان متنا فلنا الجنة وإلا فالنصر حليفنا ...

وداعـاً يـا ديـار الأقـربيــن ..وداعــاً فقد تطولا لسنـــون

يعــز علّي ترككــم ولــكن.. سأمضــي أقصــد الحـق المبيـن

فقومــكم وديـاري تركــوا.. كتــاب اللـه رغـم القارئــين

كنا عندما نردد هذه الأبيات تمتزج فينـا  مشاعر الزهو والابتهاج بدموع الأسى والحزن على فراق الأهل والأصحاب.

كانت البلدة التي هاجرنا إليها تعاني من القلاقل والاضطرابات وحرب العصابات  ، وكان أهلها جميعاً مسلحين مما أتاح لنا فرصة حمل السلاح دون مضايقة من أحد ، بدأت أخبارنا تتسرب للجهات الأمنية هناك عن طريق البدو الذين كثيراً ما كانوا يتيهون في الصحراء فيلجئون إلينا لإرشادهم ، وذات يوم فوجئنا بسيارتين مدرعتين تقتربان من موقعنا ، رصدهم مسئول الحراسة من خلال التلسكوب الذي كان بحوزته ، وعندما وصلوا على بعد أمتار من المعسكر فوجئوا بمن يستوقفهم طالباً الاستفسار منهم عما يريدون ، طلبوا مقابلة أحدنا ليتعرفوا عن سبب إقامتنا في هذه المنطقة ، وإلى أي جهة نحن ننتمي  إذ قد تولدت لديهم مخاوف كبيرة من أن نكون موالين للمنشقين هناك  بعد حوار طويل كنت مشاركاً في بعضه اكتشفوا أننا لسنا من مواطنيهم بل نحن غرباء مما زاد من مخاوفهم تجاهنا، وبعد عدة مناقشات كان علينا أن ننسحب من الموقع في يأس وأسى لعدم  تمكننا من تنفيذ ما كنا نصبوا إليه ، وحيث أننا كنا في بلدة مجاورة لمصر فقد كان الرجوع إلى مصر سهلاً ويسيراً وغير مكلف ، لذا فلم نجد بدا من الاستمرار في خطتنا قرر الجميع العودة للقاهرة ، تخلفت أنا وبعض الزملاء عن العودة لظروف خارجة عن ارادتنا ومكثنا وحدنا فترة طويلة تعرفنا خلالها على بعض الأخوة الذين كانوا قد شاركوا في حرب أفغانستان واقنعناهم بأن تلك الحرب ليست بهدف نصرة دين الله وبايعونا وأصبحوا اخوة لنا وقدموا لنا مساعدات كبيرة حتى رجعنا إلى مصر بطريق البر وكان ذلك في مطلع عام 1990 .

تم القبض علينا بمنفذ الدخول للقاهرة واصطحبنا لوزارة الداخلية  وبعد فترة من التحقيقات أطلقوا سراحنا ، حاولنا نحن ومن بقى على بيعته للجماعة إعادة ترتيب الجماعة وكنا نلتقي مرتين شهرياً وذلك لدراسة الأفكار الأساسية للجماعة وإعادة صياغتها من جديد ، انتهينا من ذلك في فبراير 1990 ، ذات يوم طالعتنا الصحف عن طريق أحد الأخوة الذي كان متخصصاً في قراءة الكتب والمجلات والبحث عن كل شيء يتعلق بنشاط الجماعات الأخرى في العالم إلا أنه فجأة جاءنا ووجهه محمراً قائلاً : هل علمتم بما في الصحف اليوم ؟ قلنا لا ماذا حدث ؟ قال لقد تم القبض على مجموعة مبشرين كانوا يقومون بتنصير المسلمين الاسميين نظير اغراءات مادية وغير ذلك أو توريطهم في علاقات جنسية ، وكان ذلك في شهر رمضان مما أثارنا جداً وجعلنا نشعر بالخزي والعار ، مما دفعنا لضرورة أن يكون لنا رد فعل إيجابي أمام هؤلاء الذين يأمرون بالمنكر إذ لا بد من تغييره ، لكن كيف نغيره  هل باليد  ؟ ذاك صعب جداً ، هل باللسان ؟ ذاك هو أضعف الإيمان  لكن كيف ومتى ؟

بــدايـة الطـــريق:

عندما قرأنا الخبر الذي نقله لنا أخونا شعرنا بالامتهان والتقصير تجاه الله وقررنا أن نقوم بدور فعال إزاء عملية التبشير هذه وإيقافها بشتى الطرق ، وبعد مداولات شديدة وطويلة استبعدنا العمل المسلح لعدة أسباب منها : أن النظام الأمني في مصر قد تطور عما كان في السبعينات ، كذلك الكثير من القيادات النشطة في الجماعة والتي كانت تتولى عملية تهريب كل من يشعر أنه في خطر قد انتهت ولم يتم تعويضها بنفس الكفاءة ؛ إذ البعض من هذه القيادات قد حكم عليه بالإعدام والآخر بالسجن المؤبد ، ولهذه الأسباب استبعدنا الخيار المسلح وتوجهنا للبحث عن طريقة أخرى للتعامل مع حركة التبشير هذه  وأخيراً اهتدينا إلى المواجهة الفكرية  وتعرية الزيف والتزوير في التوراة والإنجيل ، ولاقى هذا الاتجاه  ترحيباً وحماساً من كل القيادات التي كانت مجتمعة ، وبدأنا البحث عمن يقوم بهذا العمل العظيم الذي سوف يعلي كلمة الحق ويذهب كيد الكافرين ، لم أكن أتوقع ولو بنسبة ضئيلة جداً أن أكون أنا المرشح لهذا العمل ؛ ليس لعدم كفاءتي ولكن لما يعلمه الجميع عني من كراهيتي  الشديدة  للمسيحيين  وبعد فترة صمت مريبة مرت خلالها الدقائق كساعات من ليل الشتاء الطويل انطلق صوت الأمير معلناً الشخصية التي اختارها للقيام بهذا العمل  وعندما سمعت أنه أنا كدت أفقد   وعيي ، وانتابني شعور بالغيظ والتمرد ؛ إذ كيف يطلبون مني مثل هذا الأمر الذي بالطبع سيتطلب قراءة كتب النصارى واليهود ؟ لكن قضى على غيظي وأخمد تمردي صوت خافت من الأمير قائلاً : هذا أمر وما عليك إلا أن تنفذ إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر ، وذكر الآية التي تقول : ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم " 36 الأحزاب " . حاولت إقناع الأمير بتكليف أحد غيري للقيام بذلك إلا أنه رفض وقال :  

إنني أشعر بأنك أفضل من يقوم بالعمل هذا ، ولو أنك أتممته جيداً ستكون قد أنجزت مهمتين في وقت واحد ، الأولى  أنك تكون قد قدمت لنا ولكل مسلم بل ولكل العالم حقيقة كانت وما تزال غامضة عن أذهانهم ، والثانية أنك سوف تجني ثمار هذا العمل الرائع لأنه سوف يتم ترجمته وبيعه في كل أنحاء العالم لأهميته ، وبذا تكسب مبالغ كبيرة بالحلال الطاهر  دفعني حديثه هذا إلى استعجال نوعية وموضوع البحث هذا ، قال الأمير : إن البحث ينقسم إلى قسمين الأول  إثبات أن نبوة محمد رسول الله ثابتة من التوراة والإنجيل تصديقاً لقوله  " الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل " 157  الأعراف ، القسم الثاني إثبات أن التوراة والإنجيل المتداولين اليوم ليستا هي تلك التي أنزلها الله وإنما تم تحريفهما وتزويرهما من خلال البحث في الاختلافات والتناقضات الموجودة فيهما.

قبلت هذه المهمة على مضض وقلت للأمير إن هذا يتطلب مني أن أشتري توراة وإنجيلا وأقرأهما ؟ قال : نعم ولا بد أن تفعل ذلك   فذهبنا في صبيحة اليوم التالي إلى القاهرة ، وقطعنا شارع الجمهورية نبحث عن مكتبة تبيع هذه الكتب ؛ وجدنا المكتبة ؛ لكن كان من الصعب أن ندخل بملابسنا التقليدية هذه المكتبة ؛ لأنها مثيرة جداً وقد يطلبون حضور الشرطة اعتقاداً منهم أننا جئنا للتخريب . وجدنا رجلاً يسر بالشارع فسألناه عن اسمه وطلبنا منه أن يشتري الكتاب فوافق  سلمني الأمير الكتاب وانصرفنا  متوجهين إلى منزلي جنوب القاهرة  كنت خلال السفر الذي استغرق أكثر من ساعتين ونصف أحاول التخلص من الكتاب بأي وسيلة ، فتارة أتركه خلفي ، وتارة أتعمد نسيانه ، وفي كل مرة كان يحضره لي وينبهني إليه أخيراً وصلنا إلى منزلي ، وبعد فترة غادر الأمير منزلي إلى مدينته ، من هنا بدأت رحلة المتاعب مع التوراة والإنجيل .

كان أول يوم أخذت فيه الإنجيل من أصعب الأيام علي ، فقد كان لدي انطباع أنه ليس من عند الله وأنه سوف يجلب لي الشياطين بالبيت ولن أقدر أن أصلي، فوضعته خارج غرفة نومي خوفاً من إزعاج الشياطين ، وطاردني هذا الهاجس أياماً عديدة ؛ حتى أنه كلما سمعت صوتاً بالمنزل اعتقدت أن الله يعاقبني على اقتناء هذا الكتاب, فكنت لا أدخله غرفتي أوقات الصلاة حتى تستطيع الملائكة أن تدخل منزلي  استمر هذا الخوف والقلق فترة من الوقت أدركت بعدها أنني لم اقتن هذا الكتاب بإرادتي بل أنني أنفذ إرادة الله من خلال طاعة الأمير الذي أوصى النبي بطاعته في حديثه : " من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني " أخيراً أدركت أنني إنما أنفذ أمر الأمير الموصى بطاعته من قبل الله وعليه فلا ضير من أن أضع الكتاب في غرفتي والله سيقويني .

كانت كل الوسائل ميسرة لي من قبل الجماعة ، أتقاضى 500 جنيه شهرياً كمصاريف نظير تفرغي لهذا العمل ، كان في كل مرة أحاول تجاهل هذا الأمر يتراءى لي الحديث الذي يقول " من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني فأسارع قائلاً : لا يا رب لن أعصيك أبداً واستغفر الله ثلاث مرات ثم أقوم للصلاة . ولم يكن يشغلني أي شيء عن إتمام هذا العمل ، وندي الكثير من المراجع التي تساعدني على إخراجه في أفضل ما يمكن ، ولدي من الخبرة في أمور النصارى الكثير.

قررت بيني وبين نفسي أن أبدأ رحلة المتاعب هذه ، لكن ما أقلقني هو أنني لم أكن أدر من أين أو كيف أبدأ ، ولم يكن لدي طريق واضح المعالم للتعامل مع شقي البحث  ، مثلاً بخصوص إثبات نبوة محمد  كنت قد توقعت أنني سأجد نفس الاسم " محمد " قي التوراة والإنجيل وفي أضعف الأحوال قد أجد أحمد أو محمود ،  الحقيقة لم أكن أعلم كيف أبدأ ولا من أين أبدأ لم يكن الطريق بالنسبة لي واضح المعالم من حيث كيفية تناول البحث ، أي عن أي اسم في التوراة سأبحث ؟ هل عن محمد  ؟ أم محمود  ؟ أ م أحمد ؟ أم . . ؟ أم . . . أخيراً التبس علي الأمر فقررت الانتقال للقسم الآخر من البحث ، وهو البحث عن التناقضات والاختلافات التي تثبت أن التوراة والإنجيل ليستا من عند الله ، وعلى نفس المنوال فشلت في تحديد قالب معين أو معيار ثابت على أساسه أقيس كل ما هو في التوراة والإنجيل فإن توافق ؛ صحت التوراة والإنجيل ، وإن اختلفا أكون قد وصلت إلى ما أريده ، ذلك دفعني للشك في قدرتي على إتمام هذا البحث مما أثار حفيظتي  وأشعل حماسي فقررت التركيز الشديد للوصول إلى الهدف لأنني لم أعتد الفشل في كل مهمة كنت أكلف بها طوال حياتي .

كنا نلتقي أنا والأمير مرة في كل شهر نتشاور ونتحاور حول موضوع البحث وفي كل مرة كنت أطلب منه العدول عن قراره وإسناد هذا  العمل لأحد غيري وأنا مستعد للتعاون معه ، لكن كان لديه إصرار غريب على أن أقوم أنا بعمل هذا البحث ، صليت ركعتين استخارة لله  وتملكتني جرأة غير عادية وقررت البدء في قراءة الكتاب لكن بدون نظام أو تحديد أو أي سند يعينني على الوصول  للهدف ، بدأت بسفر التكوين  ولم أكن أدر ما أبحث عنه ، وجدت أسماء غريبة أقرأها لأول مرة فضقت منها ألقيت بالكتاب بعيدا في أحد أركان غرفتي بطريقة عصبية قائلاً : إن هؤلاء اليهود والنصارى أغبياء كيف يقولون عن كتاب يتكلم بهذه الطريق وهذه الأسماء أنه من عند الله ، إنهم مجانين   وتوقفت عن القراءة ، وبعد يومين عاودت القراءة ولكن قررت عدم قراءة سفر التكوين لما فيه من أسماء وألفاظ صعبة الفهم ، واسترسلت في القراءة ،  أعجبت جداً بما هو مدون في سفري العدد والخروج وأيضاً التثنية ، حيث وجدت الكثير من الأمور التي تتعلق بموسى وفرعون وبني إسرائيل مذكورة بالتفصيل الذي يشبع رغبتي ، أنهيت العهد القديم ( التوراة ) قراءة في شهرين لكن بدون تركيز ، أعدت قراءتها ثانية وكنت أبحث عما ينتمي لمحمد أو أحمد أو محمود بصلة ولم أجد شيئاً ، تطرقت إلى العهد الجديد ( الإنجيل ) وقرأته كاملاً   لكن لم يقودني لشيء فضقت ذرعاً بهذا البحث وكانت تنتابني شبه عصبية نحو الأمير الذي أمرني بذلك ، وفي آخر زيارة له لي أخبرته أنني لم أجد أي خيط يمكن أن  يساعدني على إتمام البحث ، فقد قرأت التوراة والإنجيل ولم أجد شيئاً ، أخبرني الأمير بأن هناك كتاب كنا نتدارسه في الخارج سوف يساعدني كثيراً في بحثي وهو " إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي" ، بحثت عن هذا الكتاب في مكتبتي فوجدته ، وللحقيقة كان هذا الكتاب ذو قيمة عظيمة لنا عندما كنا ندخل في نقاشات مع المسيحيين لإقناعهم بالإسلام ، إذ كان يحتوي على نصوص خاطئة من التوراة والإنجيل كنا بعرضها على المسيحيين يقبلون الإسلام ، وتكرر هذا مع ثلاثة أشخاص ، بدأت أنظم طريقة البحث مستعيناً بعدة كتب بمعاونة الأمير مثل الملل والنحل للشهرستاني والفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم وبعض كتب التاريخ والسيرة ، وكلها كانت تهاجم المسيحية ، أخذت كل النصوص التي ذكرها ابن حزم وقال أنها تناقض بعضها البعض ، وبحثت عنها في الكتاب الأصلي فكنت كثيراً ما أجد النصوص إما مذكورة لكن بنصوص مختلفة أو منسوبة لأشخاص مختلفين ، ولا أخفي سراً أنني وجدت كثيراً من النصوص التي بها اختلافات  لكن لو أخذنا هذه النصوص كحجة على عدم صحة التوراة فعلينا أن نقبل مثيلاتها في القرآن ويكون القرآن أيضاً من عند غير الله .

( قمت فيما بعد بالرد عما كنت أعتقده تناقض واختلاف في بحث تحت عنوان الرد على ابن حزم )  ، كنت أبحث بإخلاص وبمحبة غامرة لله وللرسول ، لم أكن مدفوعاً بفكر عنصري بل كان الدافع هو الانتصار لله ولدينه الحنيف ، وقد لفت انتباه المجموعة الصغيرة التي أنا أميرها اهتمامي بالكتاب المقدس وكانوا دائمي الأسئلة عن سبب ذلك  كنت كثيراً ما ألجأ للكذب عليهم لأن ذلك ضرورة فكنت أبرر ذلك بأننا نتقابل مع شباب مسيحيين ندعوهم للإسلام مما يحتم علينا ضرورة معرفة ما يقولون ، بعد أن تعثرت محاولاتي للبحث عن مدخل لهدم التوراة من خلال إيجاد الاختلافات والتناقضات ؛ قررت أن أحاول في الشق الثاني من البحث ، وهو إثبات نبوة محمد من خلال التوراة والإنجيل لتحقيق مصداقية آية سورة الأعراف ، فتشت كثيراً في كتاب رحمة الله الهندي ووجدت ما كنت اصبوا إليه وانتفضت فرحاً بما وجدت ، وشعرت أنني أخيراً قد وجدت ضالتي ، صليت ركعتين شكرا لله على أن هداني إلى هذه النصوص ، بدأت في تدوينها بالترتيب كما يلي :

  (تــك 17  : 20) (تــك  49  : 10) (تــث  18 : 18-20)

 (تــث  32  : 21) (تــث 33 : 1-3) (أشعيـاء 42  : 9)

(أشعيـاء 54 :1-3)(أشعياء 65 :1-2)(مــزمور45 :3-1)  (مزمـور 149  : 3) (دانيـال 2 : 31-32) (مـت 3 : 2)       (مــت 13 : 31)(مـت 20 : 1)(مـت 21 : 33)

(يـو  14 : 15) (رؤ  2 : 27 )

لم تكن تلك هي كل النصوص التي ذكرها رحمة الله الهندي وزعم أنها إثبات لنبوة محمد ، بل كان هناك نصوص أخرى قمت باستبعادها لضعف دلالتها ، كان تعاملي مع هذه النصوص غاية في التدقيق والموضوعية لأن هذا كان شأننا كجماعة مؤمنة فريدة على ظهر الأرض ، فلم نكن نقبل أي نص من أي فرد بدون دليل ودليل صادق موثوق فيه ، لا أخفي أن هذه النصوص من حيث الظاهر كانت مغرية لأي مسلم لأن يقبلها ؛ لكن بالتدقيق وهذا حال المسلمون الأصوليون قد يفاجأ بعدم صحة الاستنباط المستنتج من الدليل ؛ لذا قمت بتجميع كل الكتب التي رأيت أنها قد تساعدني في بحثي هذا ، وبدأت أرسم مستقبل حياتي بعد نجاحي في هذا البحث ، وكم سأكون قد قدمت خدمة لله وللرسول إضافة إلى الربح المادي الذي ينتظرني والذي بدأت معالمه عندما ذهبت أنا والأمير إلى مكتبة أنصار السنة وعرضنا عليهم فكرة الكتاب التي نالت إعجابهم بل إنهم قد طلبوا مننا فصل واحد فقط من الكتاب وهم سيشترون حقوق طبعه ، كل تلك الأحلام كانت تراودني لكن كان يطغى عليها انتصاري لدين الله .

أخذت أعيد قراءة الكتاب المقدس وأصبحت علاقتي به على أحسن وجه حتى أنني أدمنت على قراءته ، وكنت أكتب الدليل تلو الآخر وأحاول أن أثبت بالحجج والبراهين أنه  ينطبق على محمد ، كانت المفاجئة غير سارة ، وربما كان سبب ذلك أنني كنت مبالغاً في تدقيقي ليس لغرض المبالغة فقط بل للجزم بصدق نبوة محمد ، فكنت استعين بكتاب ياقوت الحموي ( معجم البلدان ) عندما تعرضت لاسم مدينة تسمى فاران ؛ لأعرف أين تقع وما هو اسمها الحالي ؟ وأحياناً معاجم لغوية مثل لسان العرب ومعاجم عبرية لأعرف ما معنى شيلون ، كنت أريد أن أخرج كتاباً لا ترد فيه كلمة واحدة ، ولا يمكن لأحد أن يطعن أو يحتج عليه ، لكن كانت الرياح قد أتت بما لا تشتهي السفن إذ بدأ الانهيار التدريجي للنصوص واحداً تلو الآخر انهار أمامي أول دليل بمعنى أنني لم أوفق في إثبات أن نص التكوين ينطبق على محمد من عدة وجوه لا مجال لذكرها هنا ؛ إذ قد كتبتها في كتيب منفرد تحت عنوان:( الحق المكتوم ) وسجلت في هذا الكتيب كل الأدلة وكيف كنت أستدل بها ، وكيف اكتشفت أنها لا تدل على شخص محمد ، ولذلك لن نتناول التعليق على هذه النصوص هنا .

انتهيت من دراسة كل هذه النصوص ولم أجد فيها ما يدل على ما كنت أبحث  عنه ، امتزجت لدي مشاعر الحزن والأسى بالقلق والاضطراب لكن لم يتبادر إلى ذهني مجرد التفكير في أن يكون محمداً ليس بنبي  بل كان تعليقي الذي واسيت به نفسي هو أنني قد فشلت في الربط بين الأدلة وشخص الرسول ، قررت أن أعيد المحاولة ثانية من خلال دراسة كتب أخرى غير إظهار الحق ، كان لدي كتاب اسمه دلائل النبوة  ، معجم البلدان ، وإعلام الموقعين ، والموسوعة العربية الميسرة ، كنت أحاول بكل جهدي لكي لا أفشل لأن الفشل يعني بالنسبة لي الدمار الكامل لتاريخ حياة مملوءة بالمشقات والضيقات ، فكيف يصبح ذلك  سراباً ؟     ولم تكن المحاولة الثانية أفضل من الأولى بل على النقيض منه ذلك ، قد اكتشفت في المرة الثانية أشياء لم أكن أعرفها في المرة الأولى ، ولم تكن أشياء في صالح البحث بل كانت ضده ،

كنت بين لحظة وأخرى استرق نظرات أجول بها هنا وهناك متفرساً في الكم الكبير من الكتب والمراجع الإسلامية التي تملأ مكتبتي  وأجدني أحياناً أخاطب نفسي : هل من المعقول أن تكون كل هذه الكتب خادعة لنا ، وتقدم لنا شخصية وهمية ؟ إن صح ذلك فلا يستحق الله منا أن نعبده ، لكن لم أكن أسترسل في ذلك بل على الفور كنت أردد أستغفر الله العظيم وأنهض متوضئاً لأصلي ركعتين أطرد بهما إبليس. 

فجأة وبدون مقدمات وجدت نفسي أهمل التفكير في موضوع البحث وأعاود قراءة الكتاب المقدس للمرة الثالثة وفي كل مرة كنت أقرأ فيها الكتاب كنت أجد حلاوة غريبة حتى أنني كنت أخشى على نفسي من سحر هذا الكتاب الذي قد يصيبني نتيجة القراءة المستمرة فيه ، لأننا كنا نقول أن النصارى سحرة ويستمدون سحرهم مما يسمونه التوراة والإنجيل, إذ كان يشدني إليه بطريقة غريبة لا أستطيع مقاومتها.

كان الأمير منتظماً في زيارته لي ، وفي كل مرة كنت أتوقع منه أن يضيق مني لعدم عمل أي شيء ، وتوقعت أن يعفيني من البحث ، لكنه كان في كل مرة أكثر إصراراً من سابقتها على أنني الأفضل لعمل هذا البحث . عاودت القراءة في إنجيل متى وتعثرت من مطلعه في الإصحاح الأول عندما رأيتهم يردون نسب المسيح إلى داود ، فقلت ما هؤلاء إلا مجانين حقاً وكنت أتعزى بذلك وأحتفظ ببعض الأمل في أن أجد ما أريد ، سحرني إنجيل متى في إصحاحاته الرابع والخامس والسادس ، ورغم أنني قد قرأته مرتين من قبل إلا أنني في هذه المرة وجدت نفسي وكأني أقرأه للمرة الأولى وشعرت كأن يداً تمتد نحو رأسي لتربت على ذهني ولسان حالها يقول : أما آن الأوان لتفهم ما تقرأ ولا تنشغل بالخطأ والصواب ، وفي نفس الوقت كنت أشعر وكأني أغيب عن الوعي وأحس بقشعريرة خفيفة لا أدري سببها ، وجدت الإنجيل يتكلم عما نفعله مع المسيحيين وكأنه يعيش بيننا ، وجدته يتكلم عن الاضطهاد والتعيير والقتل الذي كنا نحسبه طاعة لله ، قلت: غريب أمر هذا الإنجيل كيف علم بما نقوله وما نقوم به إزاء المسيحيين  قد يكونوا علموا بذلك وقاموا بتدوينه حديثاً ، كنا نفسر محبة المسيحيين وتواضعهم على أنها جبن وخوف منا نحن المسلمون لأنهم قليلون مستضعفون ، وكان لا بد أن ينطبق عليهم أقوال الله : ضربت عليهم الذلة والمسكنة " لكنني وجدت نصوصا تحثهم على المحبة والطاعة والخضوع ومحبة الأعداء ، كيف يمكن لإنسان أن يكتب سبب مذلته بنفسه ؟ وللأمانة كنت كلما قرأت أمر الله للمسيحيين أن يحبوا أعداءهم طافت بذاكرتي معاملتي السيئة لوالدي ووالدتي ، كنت أتفنن في القسوة عليهما ، ولم يكن يهدأ لي بال حتى أرى علامات الألم على وجوههم  وأتمادى في القسوة حتى أرى ثمارها ، وذات مرة مرضت ودخلت أحد المستشفيات وأجريت لي عملية جراحية خطيرة وأراد والدي أن يراني ليطمئن عليّ فرفضت وقلت إنه كافر لا أريد أن أراه ، كذلك والدتي التي كانت تتعرض لأبشع من ذلك ، حتى كانت ترسل لي الطعام عن طريق طرف آخر حتى لا أرفضه ، وكانت تقف في الشارع أمام شباك غرفتي بالمستشفى ساعات طويلة تلفحها حرارة الشمس الحارقة علها تسترق نظرة أو نظرات لتراني فيها ، كنت كلما تذكرت ذلك سالت الدموع من عيني ، وألعن ذلك اليوم الذي عرفت فيه الله ، وكنت أعزي نفسي بأن أحاول أن أتذكر ما فعله أبو عبيدة ابن الجراح وأبو بكر الصديق بوالديهما ، ومصعب بن عمير بوالدته فيهدأ بالي قليلاً  انتهيت من إنجيل متى لكن كلماته لم تنته من ذاكرتي واستمرت تطاردني ليل نهار كلما هممت بفعل شيء شرير ، وقرأت باقي الأناجيل والرسائل ووجدت فلسفة وبلاغة تفوق ما هي للقرآن  وحيث أن هذه سابقة للإسلام ب630 سنة فكيف نقول إن القرآن لا يماثله شيء في البلاغة  وفي إحدى ليالي الشتاء القارس كنت أقرأ أحد السور القرآنية علي أستطيع أن أتخلص مما علق بذهني من كلمات إنجيل متى  كنت أنا وبقية الأخوة نغار أو نحقد على المسيحيين لأنهم كانوا قريبين من الناس ويكسبون محبتهم وودهم بسهولة في الوقت الذي كنا نحن عاجزين عن إقامة مجرد علاقة يتوافر لديها الحد الأدنى من التسامح الذي يمكننا من دعوتهم للإسلام وكثيراً من الأحيان ما كان يسبب ذلك لنا عقبة شديدة ؛ إذ أن طريق دعوتنا لا يعطينا أي  قدر من التسامح الذي به نقدر أن نبني أي نوع من العلاقات التي تقربنا منهم ثم اجتذابهم للإسلام  كانت كل حياتنا عنف وقسوة وإرهاب ، ولا تستغربوا فلم يكن سلوكنا هذا من عند أنفسنا بل إننا لو لم نفعل ذلك فلسنا من الله في شيء ، إذ أن الله قد حدد لنا في القرآن والسنة كيف نعامل الكفار على اختلاف كفرهم ، سواء كانوا أهل كتاب أو مشركين أو متأسلمين  ،ففي أهل الكتاب قال : يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين [1] "  هذا بخصوص أهل الكتاب أما بخصوص الكفار من نوعيات أخرى كمسلم لا يصلي أو لا يزكي أو لا يطلق لحيته أو يرتكب أي معصية ولا يتوب عنها فقال               " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين "[2] وبخصوص الأهل والأقارب قال : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون "[3] وهناك آية أعم وأشمل تقول : لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم . . "[4]

ولو أضفنا إلى كل تلك الآيات الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر أن محمدا قال : لا تسلموا على أهل الكتاب ولا تردوا عليهم السلام وإن قابلوكم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " [5] وهناك أضعاف هذه الآيات التي كانت تحكم علاقتنا بالأهل والأصحاب وغير المسلمين ، لم يكن لنا نحن أي دخل أو أي سلطة في تحديد هذه العلاقة ، وببساطة لأن الفكر الإسلامي عامة والقرآن خاصة لا يعطي للمسلم مساحة لاستخدام العقل ، لكن العكس كل من يستخدم عقله للتأمل في آية أو حديث يعد كافراً إذ عليه أن يقبلها كما فسرها محمد وإن لم يقل محمد فيها قولاً فليسكت عنها ويعتبرها من المتشابه الذي لا يجوز الاقتراب منه ومن هنا كان الحديث الصحيح الذي يرويه البخاري عن ابن عباس : " من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار .  


[1] المائدة 51

[2] النساء 114

[3] التوبة 23

[4] المجادلة 22

ترى بعد هذا الكم من النصوص القرآنية والأحاديث الصحيحة هل كان بإمكاننا أن نكون مهادنين أو لطفاء أو موادعين لكل من ليس على شاكلتنا ؟ بالطبع لا ؛  ولو حدث فنحن كما يقول القرآن نكون قد ركنّا إلى  الذين كفروا " و لا تركنوا للذين كفروا فتمسكم النار " . نتيجة لذلك كله كنت أتفرس والغيظ يملأ قلبي عندما كنت أمر على أي نص في الإنجيل يتحدث عن  المحبة والعفو والغفران والتسامح ، حتى أنني كثيراً ما كنت أشعر بالخجل في داخلي وأنا أقرأ هذا في الإنجيل الذي نتهمه بالتزوير ، وأقول إذا كانوا هم قد زوروا واكتسبوا محبة الناس بشهادة المسلم والكافر فلماذا نحن الذين لم نزور شيئا نفتقد لهذا ؟ بالتأكيد هناك شيء غير صحيحا ، كنت أحاول جاهداً أن أطرد ذاك الشبح من الأفكار الذي بدأ يطاردني وهو ، ماذا لو لم تستطع أن تصل إلى نتيجة في بحثك ؟ لدرجة أنني كلما تطرقت إلى هذا التفكير صرخت بأعلى صوتي قائلاً : استغفر الله العظيم ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وأسارع للصلاة لأتخلص من هذه الهواجس ولسان حالي يقول : كيف لا . لا . . لا . . محمد رسول الله حتى ولو لم أجد ما يؤكد ذلك في التوراة والإنجيل وبمرور الأيام بدأت المشكلة تتفاقم أمامي ، إذ بدلاً من أن أفكر فيما يثبت صدق نبوة محمد في التوراة والإنجيل ، وجدت نفسي أمام مشكلة جديدة وهي : كيف ألغي تأثير هذا الكلام العذب الذي عرفته من التوراة والإنجيل ، أو كيف أقدر أن أثبت أن ما علمته ليس من عند الله بخصوص التوراة والإنجيل ، إذ أن كل الأفكار المدونة فيهما جيدة ويستحيل أن تكون من صنع  بشر ، كيف يقدر البشر أن ينفذوا بهذه الطريقة إلى أعماق المستقبل ويتكلموا  منذ ألفي عام عن أمور تحدث الآن ، لو سلمنا بأن هذا من صنع البشر لقلبنا كل الموازين الإلهية إذ نضع الإنسان معادلاً لله في الفهم والحكمة ، ونحن نعلم أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع العليم " وجدت نفسي فجأة أقرأ في سفر المزامير وهو المعروف لدينا بالزبور ، وانتقلت لقراءة سفر الأمثال حتى أنني حفظت آيات من مزمور 143 ، 23 وكنت أرددها في الصلاة ، وكلما سمعني أحد يعجب جداً بها ويطلب مني أن أكتبها له ليدعو بها ، تكررت محاولاتي في البحث عن أدلة تتعلق بنبوة محمد ، وعدم صحة الكتاب المقدس ، كلها باءت بالفشل لكنها لم تتركني وشأني بل قلقلت بسبب الكثير من الأفكار والشكوك بداخلي ، تظاهرت بنسيان تلك الشكوك لكنها كانت أقوى مني لأنني أحب الله أينما كان ، لكن خلفيتي وحبي لديني كانا يمنعاني من مجرد التفكير في أن يكون دين الإسلام ليس هو طريق الله الذي رسمه لنا بدأت حياتي تضطرب وأفكاري لا تهدأ والقلق يملأني ، لم أقدر أن أنام كما كنت من قبل ، ولأول مرة وقفت دقائق معدودة وأنا أصلي الفجر وكنت أقرأ سورة الإسراء فإذا بي أتوقف عن القراءة وأشرد بذهني قائلاً :  ترى ماذا سيكون موقفك لو فرضنا أن الإسلام ليس هو الطريق المؤدي إلى الجنة ؟ حاولت الهروب من الإجابة لكن لم أستطع ، لم أكمل الصلاة وانخرطت في بكاء شديد حتى غلبني النعاس فاستلقيت على السجادة حتى أيقظتني والدتي ، ذهبت إلى العمل وأنا شارد الذهن لا أدري إلى  أين أسير ولا إلى من أتكلم ، وبعد عودتي للمنزل وجدت نفسي مدفوعاً بقوة للقراءة في الإنجيل فقرأت في إنجيل يوحنا من الاصحاح الأول حتى الإصحاح الخامس عشر وجدت فيه كل ما يمكن أن يقال من بلاغة وفلسفة وتعابير لغوية غاية في الدقة والتناسق خاصة عندما تحدث عن الخراف والراعي والكرمة والكرام والأغصان المثمرة وغير المثمرة التي يجب أن تقطع وتلقى في النار فصرخت بصوت عال قائلاً :  يــا رب ارحمنــي أنـا عبـدك قل لي أين أنت أرجوك وإلى أي الفئتين تنتمي ، هل أنت عند النصارى أم اليهود أم المسلمين ؟ من فضلك تحنن علي فأنا عبدك على عهدك ووعدك ما استطعت أعترف بفضلك علي ، لا أقدر أن أقف أمامك ، ولا يليق بك أن تقف نداً أمام نفخة نفختها من روحك  أنت الله الذي يقدر وأنا العبد الذي لا يقدر إلا إن سمحت له ، أنت الله الرحمن الرحيم وأنا عبدك بلا حول ولا قوة ناصيتي بيدك: كل أموري لديك ، لقد أحببتك من الصغر ، بذلت نفسي طمعاً في جنتك وحباً فيك ، لم أبال بسجنٍ ولا بعذاب ولا بكل المسكونة إن وقفت أمام طريقي إليك ، لماذا تعاملني هكذا ، كنت أسير على درب محبتك التي أعلمنا إياها نبيك وها انا أجد نفسي عاجزاً عن أن أستمر في الطريق ، كلاهما يقول أنك إلهه لكن لا أدري أيهم على صواب وأيهما على خطأ ، يا رب هل أقسم لك إني أحبك . كلا فأنت تعلم ، كم تحملت من الصعاب في مسيرتي نحوك ، تركت دراستي ، وأهلي ، وأصدقائي ، تغربت كثيراً وسجنت كثيراً ، وعُذبت كثيراً لأجلك فلماذا لا تتجاوب معي ؟ إن كنت أنت إله المسلمين فاخلع من فكري كل شيء عدا الإسلام وإن كنت أنت إله النصارى فأعطني بصيصا من نور أقتدي به ؟كنت لا أنام الليل إلا سويعات قليلة وكل تفكيري متجه نحو ، ماذا لو وجدت أن الإسلام ليس طريق الله  ؟ بل أن طريق الله هو من خلال  التوراة والإنجيل ؟ هل ستسلك مثل ما يسلك النصارى ؟ كنت عندما أفتكر بهذا أشعر بقشعريرة شديدة وكأنني ذكرت شيئاً ألام عليه من الله والناس ، وذات يوم تخليت عن الخوف والشكوك فوجدت نفسي أقول: ماذا تريد ؟ كفاك مهاترات أنت الآن لست كما كنت من قبل ، أمامك طريقان كل منهما يبدو مستقيماً فلا تضيع الوقت وابحث جاهداً عن طريق الله وليس المهم أن يكون عند اليهود أو النصارى أو المسلمين المهم أن يكون طريق الله ، هذا إن كنت حقاً تبحث عن الله هذا قدرك ولا بد أن تسلم بقدرك ، ثق أنه بقدر إخلاصك سيكون تجاوب الله معك ، إنس أنك مسلم وابحث من جديد،ماذا يمنعك ؟ قلت لا شيء يا رب يمنعني  لكن قُد خطواتي أنت واعطني قوة لأن هذه تجربة صعبة وإن لم تعينني فسوف تتخبطني الشياطين وأمكث في الأرض حيرانا بلا سند ، أرجوك يا رب ساعدني وأعدك يا رب أن اتبعك أينما كنت حتى لو كنت عند النصارى الذين لا أطيق رؤيته بعد ذلك شعرت بهدوء غريب يسيطر على كل تفكيري وكياني ولأول مرة أجد نفسي أفكر بعقلانية وبلا عصبية ، فقررت الآتي : إن النصارى قد كفروا لسببين الأول : أنهم قالوا إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم ، والثاني أنهم يقولون أنه مات على الصليب وقام مكفراً عن خطايا الناس ، ترى ماذا يحدث لو أنني توجهت ببحثي نحو هاتين القضيتين لأتحقق من  مدى صحة كل منهما بمفهوم إسلامي ، أي أرى ماذا قال علماء ومفسري الإسلام بخصوص هاتين القضيتين ؟ .

 أولاً بدأت أبحث في كتب التاريخ الإسلامي والسيرة والتفسير عن كل ما يتعلق بخصوص المسيح وهل تحققت في المسيح كل صفات الله المذكورة في القرآن ؟ كانت مصادر بحثي هي الكتب الصحيحة الخالية من الوضع  والإسرائيليات ، مثل تفسير ابن كثير ، تاريخ الإسلام للذهبي ، البداية والنهاية لابن كثير ،الملل والنحل للشهرستاني ، ألفصل في الأهواء والنحل للعلامة ابن حزم المعروف بأبي محمد ، الأسفار المقدسة قبل الإسلام ، النصرانية بين العقل والنقل ،وكانت نتيجة البحث أنني وجدت صفات للمسيح لم يتناولها المسيحيون أنفسهم في كتبهم ، ومن هذه:

1- القدرة على الخلق : قال القرآن في سورة الأنعام آية 102 "  ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء " ، وفي سورة الحجر " إن ربك هو الخلاق العظيم "  وفي سورة الحج " إن الذين تدعون دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له " ، وفي النحل أيضاً "والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون " ، وفي سورة النمل " أم من يخلق كمن لا يخلق" .

هذه بعض من النصوص التي تقصر وتحصر الخلق إلا لله ، بل إن الله عندما أراد أن يقارن ذاته بالآلهة الأخرى استخدم خاصية الخلق وجعلها ميزة تجعله فوق كل الآلهة ، وكما علمنا فإن المسيح كان يخلق وباعتراف صريح وواضح من القرآن ففي سورة آل عمران قال المسيح عن نفسه : إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فانفخ فيه فتصير طيراً بإذن الله " وقال أيضاً في سورة المائدة : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني " ، وعندما قرأت ذلك قلت في نفسي : إن الله هو الذي أعطى المسيح هذه القدرة ، ولم يكن يمتلكها من عند ذاته لكن عدت   لأقول : حتى ولو أن هذا كان بسماح من الله فيكفي أنه الوحيد الذي أعطاه الله ليكون معادلاً له في خاصية من خصائصه اللاهوتية ،ولو كانت كرامة لكان محمد أولى بها ، بل إنه قال عن محمد : إنك لا تسمع الصم الدعاء " وهذه أبسط من الخلق إن الله قد منع محمد من مجرد أن يعيد السمع للأصنج وهو خير خلق الله وخاتم رسله ، وتحدى الله الخلق أن يخلقوا مجرد ذبابة وها هو يعطي المسيح القدرة على خلق الطير، والمسألة لا تقف عند حجم المخلوق بل هي من حيث المبدأ لأن من يخلق القليل يخلق الكثير وهذا لا يمكن أن يكون للناس من دون الله .

2- عــلم الغيــب : - قال الله عن نفسه في القرآن : " قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله " النمل : 65 ، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو " الأنعام :59 ، ففي الآية الأولى أسلوب قصر وحصر أي أن علم الغيب مهما كان محصورا ومقصورا على الله يستحيل أن يشاركه فيه أحد ، والآية الثانية لا نافية للجنس أي جنس المخلوقات التي يمكن أن تدعي علم الغيب إذ أن مفتاح الغيب عند الله وحده ، وقد حكى القرآن عن محمد أنه كان يلوم كل من ينسب إليه علم الغيب فقال : " قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب " الأنعام 50  وقال لمعاذ عندما قال له إن شاء الله وشئت : أجعلتني لله نداً والله لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله ؟ لكن بخصوص المسيح نجد كل الحواجز تزال والمحظور يباح وغير المستطاع للبشر مستطاع لديه فيقول القرآن : " وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم " آل عمران 49 والغريب أن المسيح في كل تلك الصفات يتكلم بضمير المخاطب  فلا بد وأن يكون هو الله المتكلم , ليس  كما كان يحدث مع محمد.

فيقول له قل: لكن المسيح تفرد بأن قال عن نفسه ؛ وهذا يعني أن ذلك كان بيده ولم يكتسبه من أحد ، وهناك في كتاب البداية والنهاية لأبن كثير الجزء الثاني صفحة 86 رواية شعرت بالخجل عندما قرأتها إذ وجدت فيها إقرارا لا يقبل الشك أن المسيح كان يمتلك قدرة غير عادية على الإخبار بالغيبيات ولطول هذه الرواية أنصح بقراءتها في الشاهد المذكور .

3- يشــفي المـرضى : قال القرآن أن الله وحده هو الشافي مرة على لسان إبراهيم ومرة على لسان محمد فيقول : " وإذا مرضت فهو يشفين " والحديث الصحيح : اللهم لا شفاء إلا شفاءك : وعن المسيح يقول عن نفسه : " وأبرئ ألاكمه والأبرص " آل عمران 49 

4-  يحيــي ويميــت :  الله وحده هو صاحب سلطان الحياة والموت ولا يستطيع أحد أن يحيي ويميت فقال القرآن : " وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون " الحجر 23 ، وقال : " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم " يـس 12 ، وقال " إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير " ق 43 وبخصوص المسيح يحكي القرآن أنه قال  " وأحيي الموتـى بإذن الله "  آل عمران 49

ويروي ابن كثير في كتاب البداية والنهاية رواية صحيحة تثبت أن المسيح كان له سلطان أن يميت كما كان له سلطان أن يهب الحياة، والرواية باختصار أن المسيح رأى امرأة تبكي على أبنة لها ماتت منذ زمن طويل فسألها ما يبكيك يا امرأة قالت : ماتت ابنتي وليس لي ولد غيرها ، فقال أرأيت لو أحييتها لك أتريدين ذلك ؟ قالت نعم يا روح الله  فوقف المسيح على رأس القبر ونادى ثلاث مرات على الصبية ففي الثالثة قامت تنفض عنها التراب وتكلمت مع أمها ، وبعد ذلك طلبت من المسيح أن يعيدها للموت فقال لها عودي كما كنت فانغلق القبر عليها وماتت "

5- القدرة على الرزق :  قال القرآن " إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين " الذاريات 57 ، وهذا أسلوب توكيد أن الرزق من عند الله وحده وقد وبخ الله كل من اعتقد أنه يقدر أن يرزق الناس ، وقد تحقق ذلك بالنسبة للمسيح فقال ابن كثير إن المسيح كان له كرامة أن يرزق من يشاء وتجلى ذلك عندما أطعم الخمسة آلاف نفس بقليل من الخبز والسمك.

6- ليس كمثله شيء  :  يقول القرآن عن الله : " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير " الشورى 14  وبخصوص المسيح لا جدل أنه ليس كمثله شيء ، فقد ولد من غير رجل ، وهو الوحيد الذي قيل عنه  كلمة الله وروح منه ، وهو الوحيد الذي ليس لإبليس سلطان عليه منذ ولادته ، وهو الوحيد الذي كان يحيطه حجاب من دون سائر البشر ، وهو الوحيد الذي امتلك صفات الله القدرية.

 7- يقول للشيء كن فيكون : يصف القرآن فيما يعدد من صفات الله قائلاً :"  إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون " النحل 40  وقوله " إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون " هذه صفة فريدة وصف الله بها نفسه أن يقول للشيء كن فيكون وهي ليست كالخلق وقد تحقق ذلك للمسيح في حادثة تحويل الماء إلى خمر كما يقول ابن كثير في كتابه البداية والنهاية $

8- كان عرشه علــى المـاء  : يقول القرآن عن عرش الله : " وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا"  "  هود : 7 قال القرطبي والحدثي أن هذه الآية كانت تنطبق على المسيح الذي تدرع بالجسد وأن الله إنما جعل عرشه على الماء ليس على سبيل الدوام ولكن ليختبر إيمان الناس وقد سار المسيح لتلاميذه ليلاً على سطح بحر طبرية ليختبر  إيمانهم  ، وقال لهم في هذه الواقعة : يا قليلي الإيمان

9- لــه الحكم والأمــر  : قال القرآن عن الله : "  إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين " الأنعام 57 وقوله " فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين " الأعراف 87 ، وجاء عن المسيح على لسان محمد فيما يرويه البخاري عن ابن عباس : لا تقوم الساعة حتى ينزل ابن مريم حكماً عدلاً فيقضي بالحق ويمحو الظلم " .

10- يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار : جاء في سورة الأنعام 103 " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير "  هذه صفة أخرى من صفات الله التي تحققت للمسيح كما يروي ابن كثير والقرطبي من أن المسيح كان ذات يوم على الجبل فأراد الرومان أن يقبضوا عليه فجاز في وسطهم دون أن يدركوه بينما هو أدركهم وقال بذلك أحمد بن خابط في الفرق بين الفرق [1]

11- هو الرحمن الرحيم :   جاء في سورة البقرة الآية 163 " وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " وجاء في سورة مريم آية 93 " إن كل من في السموات والأرض إلا أتي الرحمن عبدا"

ذكر الشهرستاني في كتابه الملل والنحل والأزرقي في دلائل النبوة أن المسيح كان على صورة الرحمن  وكان رحيماً متحنناً على شعبه إذ أقام أبنة يايرس من الموت برحمته وترأف كثيراً على المرضى برحمته فخلق عيناً لرجل ولد بلا عين بوضع طين عليها لأن هكذا كانت سنة الله في الخلق منذ الأزل [2]

يضـرب الأمثال : جاء في القرآن أن من اختصاصات الله أنه وحده هو القادر أن يكلم الناس بأمثال ففي الآية 35 من سورة النور و الآية 25 من سورة إبراهيم " ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون " ، " وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون " ، قال ابن كثير والقرطبي والزمخشري في الكشاف أن الله يستخدم الأمثال لكي يقرب للناس ما يريده حتى يقيم عليهم الحجة ، وقد كان

12- المسيح وسط قومه يفعل ذلك ، والكتاب المقدس في عهده الجديد مليء بالأمثال التي لم يتكلم بها أحد من الأنبياء .

13- يرسل رسلاً ويعطيهم سلطانا ، ويؤيدهم بروحه : فقد جاء في مطلع سورة يس " واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث  " ذكر ابن كثير وجميع المفسرون أن هذه القرية هي إنطاكية وهؤلاء الرسل هم رسل المسيح وذكر أسماءهم ، وأنهم كان لديهم سلطان من المسيح ، ترى من  البشر كان يملك ذلك ؟

14- عبادة غيره كفر وشرك : جاء في الآية 29 / 30  من سورة التوبة " قالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله تشابهت أقوالهم يضاهئون قول الذين كفروا . . . اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم " قال بن قتيبة أن هذه الآية مشكلة لأن فيها أن عبادة الله والمسيح فرض ولا يعبد من دونهما، لذا فيجب أن يُعرب المسيح كمفعول ثان وليس مضاف حتى لا يوافق أهل الكتاب من تأليه المسيح .

15- يأتي في ظلل من الغمام  جاء في سورة البقرة 210 " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام " قال ابن الفضل الحدثي أن المقصود هنا هو المسيح الذي سيأتي يوم القيامة على الغمام وهو المقصود بقوله " وجاء ربك والملك صفاً صفا "، الحقيقة أنني وجدت أكثر مما كنت أطلب أو أريد وقد لا يتسع المجال هنا لذكر كل ما توصلت إليه فقد أعددتها في بحث منفصل تحت عنوان " حتمية ألوهية المسيح " ذاك أنني بعد أن انتهيت من البحث ووجدت ما وجدت غيرت العنوان من " لاهوت المسيح " إلى حتمية لاهوت المسيح وختمته بعبارة تقول : إن لم يقل النصارى أن المسيح إله لكان لا بد وأن يكون إله.

أما بخصوص الشق الثاني وهو موت المسيح كفارة عن الخطاة أو ما يسمى بالموت الكفاري ، وهو ما كنا نرفضه عملاً للآية التي تقول " ولا تزر وازرة وزر أخرى "  إذ كيف يموت من لم يرتكب ذنباً عن آخرين أخطئوا هذا إلى جانب المعضلة الكبرى وهي هل حقاً مات المسيح لا أدري سبباً لشعوري بالثقة في إمكانية ألا أجد ما يؤكد موت المسيح وكنت متفائلاً جداً لأنني لن أجد ذلك وبالتالي أكون قد أرضيت ضميري وبحثت ولم أجد وعليه فتمسكي بالإسلام سيزداد أكثر وأكثر لذا اندفعت بكل حماس وقوة عسى أن أعوض ما وجدته من دلائل لاهوت المسيح في إثبات أنه لم يمت ولا يجوز أن يموت نيابياً  فوجئت وأنا أبحث عن الموت الكفاري بما قرأته في تفسير ابن كثير لسورة البقرة وخاصة الآية التي تقول " وإذ قال موسى يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم . . "  إذ وجدت نصاً صحيحاً بخصوص هذه الآية فيه أن بني إسرائيل أرادوا أن يتوبوا عن خطيتهم بعبادتهم للعجل فلم يتب الله عليهم ، وبعد توسط موسى طلب الله من موسى أن يبلغ بني إسرائيل أن السبيل الوحيد للتكفير عن خطيتهم هذه هو أن يقتل كل رجل أو شاب من بني إسرائيل كل من يقابله ، ولا تأخذه به شفقة ، وقيل كانوا يضعون عصابات على أعينهم حتى لا تأخذهم شفقة بذويهم فيمتثلوا لحكم الله ويقتل كل منهم الآخر ، ويقول ابن كثير أنه قد وقع ما لا يقل عن سبعين ألف قتيل ، حتى اكتفى الله وكانت الدماء تسير كالأنهار فأمر الله موسى أن يطلب منهم الكف فقد قبلت توبتهم وأما من بقي حياً فقد كفر عنه بدم من مات حتى ولو لم يكن قد عبد العجل معهم  أي هناك شخص لم يعبد العجل مات لتتحقق كفارة من عبد العجل ولم يمت  إذن فلماذا نرفض أن يموت المسيح الذي بلا خطية عمن أخطأ وما زال حياً فالأمرين سواء ، أحسست وكأن الله يطاردني بالأدلة ويفرض علي حصاراً بحيث لم يعد أمامي من سبيل لإنكار أو رفض دعوة المسيح لي لأتبعه ، حتى موت المسيح وجدت الكثير من النصوص تناولها ابن كثير في تعليقه على آية النساء 157 ، والآيات الأخرى التي تكلمت عن موت المسيح في آل عمران حتى أن الاختلاف كان يدور ليس على موت المسيح بل على مدة موته فمنهم من قال ثلاث ساعات ومنهم من قال يومين ومنهم من قال يوم واحد ، وهذا حسب قواعد اللغة يؤكد وقوع الموت ، وإزاء ذلك كله كنت أزداد غيظاً وتألماً لأنني وددت لو لم أجد شيء يبرهن على صحة الفكر المسيحي لا لشيء إلا لعزة نفسي وتفاخري وكراهيتي لهم ، لكن هذا أمر الله لا مفر منه  لكن كيف أكيف نفسي مع هذا الواقع الجديد ، لا أدري؟  

لم انقطع عن القراءة في الإنجيل وأصبح لي صديقاً وكنت في كل مرة أكتشف حلاوته أكثر فأكثر ، وذات مرة وأنا أقرأ فيه تسمرت عيناي على نص يقول : متى صليت فأدخل إلى مخدعك وصل لأبيك الذي في الخفاء فهو يجازيك علانية ، وكذلك حديثه عن المرائين الذين يصلون في الأزقة والطرقات وزوايا الشوارع وقلت : عجيب أمر هذا الكتاب هل يجول في الشوارع ويكتب ما يحدث الآن منذ ألفي عام ، وبسرعة تذكرت أيام  كنت أسجد على جبهتي وأضع شيئاً صلباً تحتها حتى تبرز ما يسمى بالزبيبة في جبيني أتفاخر بها بين الناس ، وكيف كنت أتباهى بصومي وتسبيحي وأتعمد ارتداء ثياب محددة لتدل على تديني  وعلى نفس الوتيرة قمت بالبحث عن موت المسيح وصلبه ، وهل حقاً مات  ، ودرست ما يعرف بالموت الكفاري ووجدت أكثر ما تناولته الكتب المسيحية بخصوص هذا الموضوع ، وفي نهاية الأمر أصبح عندي شبه اقتناع عقلي بلاهوت المسيح وصلبه ، وقد يعتقد البعض أنني كنت مسروراً بما وجدت ، كلا ، لقد كنت غاية في الضيق والضجر والتوتر وتمنيت لو أماتني الله قبل أن أكتشف أنني طوال الفترة الماضية من عمري كنت أطارد سراب لا أساس له من الصحة  كان صعباً علي أن أكتشف أن النصارى الأذلاء ، المحتقرين ، أل. .  أل., . على صواب وأنا مخطئ ، كنت لا أنام ، أسير بالشارع أتحدث مع نفسي ، تطاردني الأفكار أينما سرت ، سيطر علي شك رهيب خاصة عندما كنت أتوضأ لأصلي ، فكان أول رد فعل لي إزاء ذلك أن طلبت من الأخوة الذين كانوا يترددون علي ألا يكثروا من زيارتي بدعوى مراقبة الأمن لي ، وبالتدريج انقطعت علاقتي بهم ، كنت أشعر بالنعاس كلما حاولت أن أقرأ القرآن كعادتي كل يوم ، وفي نفس الوقت كنت لا أمل من قراءة الكتاب المقدس ، لا أخفي أنني تعلقت بالكتاب جداً واتضح ذلك عندما زارني الأمير آخر مرة ولم يجدني قد أنجزت شيئاً في البحث ، فقال : قدر الله وما شاء فعل ، هات الإنجيل سوف نبحث عن شخص آخر يقوم بذلك بدلاً منك ، لأنه يبدو أنك غير مؤهل لذلك ، كان من الطبيعي أن أسر بذلك لأن هذا  ما كنت أتمناه ، لكن الآن كل شيء تغير  وطلبت منه أن يمهلني شهرا آخر وإلا لسحب البحث مني لأنني استطعت أن أضع يدي على بداية الطريق ، والحقيقة هي أنني لم أكن أريد أن أفقد الرخصة في قراءة الكتاب المقدس ، ولا أن أفقده أيضاً ، وافق الأمير على هذا الاقتراح ، ولا أدري لماذا فعلت ذلك.

كان يمكنني أن أوافق على سحب البحث مني لأريح نفسي من التفكير والمصير المجهول الذي أحفر مساره بيدي ،كنت كلما هممت للصلاة أسمع وكأن هاتفاً يقول لي كيف تصلي لإله لست متأكداً من وجوده ؟ فانخرط في البكاء ، وفي مرة من المرات التي استطعت أن أقاوم وأقرأ القرآن لفت نظري آية في سورة العنكبوت تقول : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا والذي أنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون " وحاولت أن أتمعن فيها أكثر فرجعت إلى ابن كثير والقرطبي وكتاب الكشاف للزمخشري لأرى ماذا يقولون في هذه الآية  فأول ما وجدت أن الجميع قد قالوا أنها نسخت بآية السيف الشهيرة التي في سورة التوبة ، لكن لفت نظري ما هو أكثر من مجرد النسخ إذ الآية تقول إن إلهنا وإله أهل الكتاب واحد ، وهنا توقف عقلي عن التفكير ؛ إذ أن إلهنا نحن المسلمون قد نسخ كل أنواع المهادنة مع غير المسلمين من الناس واستبدل مكانها القتل والمضايقة والإيذاء ، حتى أنه في بعض الآيات يجعل الله عذابه لهم عن طريقنا" قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم " وهناك أكثر من 27 نص يتكلم عن القتال الواجب على المسلم نحو غير المسلم ، في حين إله أهل الكتاب يقول : أحبوا أعداءكم  باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم " ويقول أيضاً : لا تقاوم الشر ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً " ، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً ، ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين ، وأخذت أحدث نفسي أين هذا من قول الله : ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، وقوله لا يكن أحدكم إمعة يؤخذ حقه ولا يبالي ، ومن قوله أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ،وقوله من مات دون ماله فهو شهيد ، وقوله : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم " ، حقاً يستحيل أن يكون الأبيض والأسود واحداً ويستحيل أن يكون الخير والشر واحداً ويستحيل أن يكون الليل والنهار معاً ، لا بد لأحدهما أن ينفرد بذاته  وعليه لا بد من أن يكون هناك إله واحد فقط وأنا واثق إنني سأتوصل إليه لأنني أحب الله ولن يمنعني مخلوق من الإيمان بالإله الحقيقي حتى ولو كان عند اليهود ، لكن أريد مساندتك يا رب ، لا تتخل عني فأنا الآن غريب مشتت الذهن لا أدري أين أنت ، وإن كنت خُدعت فليس عن قصد أنت تعلم كم أحبك ، وكم تألمت من أجل محبتك ، يا رب أن كنت تقتص مني معصية عملتها فأسألك الرحمة في قضائك ، فأنت الإله وأنا عبدك على عهدك ووعدك ما استطعت أعترف بذنبي فاغفر لي ولا تقسو علي في عقابك ، وبدأت ترد على خاطري أفكار غريبة كنت عند مجرد استعادتها أمام ذاكرتي أشعر بالرهبة والخوف والفزع  إذ قلت إنه لا يمكن أن يكون القرآن كلام الله والكتاب المقدس كلام الله أيضاً لا بد لأحدهما أن يلغي وجود الآخر ، عندما تطرقت لهذه الفكرة انتابني شعور بالرعب والخوف وكلما سمعت صوتاً اعتقدت أن الله سيدمر البيت فوق رأسي لأنني أفكر هكذا في القرآن  وبدت حياتي كأصعب ما يكون ، كانت تلك الفترة أشد علي من فترة سجني بالقلعة وتعذيبي هناك ، لكن سرعان ما بدأ هذا الشعور يتلاشى وقررت أن أعيد دراسة القرآن من جديد لأبحث عن كل جانب من جوانبه وأضع الآية التي تقول : ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كبيرا" وسأكون محايداً جداً ، والحقيقة أنني لم أكن محايداً إذ تمنيت لو لم أجد شيئاً في القرآن يقودني للتصديق بأنه ليس من عند الله ، كانت بداخلي مرارة تجاه المسيحيين ، قد أقبل كل شيء لكن ألا أكون مسيحياً وتمنيت لو أن الإنجيل هذا لم ينزل على المسيحيين ، كانت كلمة مسيحي تثيرني وتولد بداخلي رغبة شديدة في الانتقام والعدوان تجاه كل ما هو مسيحي ، ولم أدر سبب هذا الشعور الذي تملكني ؛ ربما بسبب النشأة التي نشأت عليها وسط أسرة متدينة تحب الإسلام وتكره المسيحية بسبب تصورها على أنها كفر وشرك ، حتى أن آباءنا كانوا يحذروننا في طفولتنا من اللعب مع المسيحيين لأنهم خونة وألا نأكل طعامهم لأنهم من الممكن أن يضعوا لنا السم في الطعام ، هم لا إله لهم ولا إيمان ولا أمان لهم .

بدأت أدرس القرآن دراسة دقيقة وعميقة وبدأت أنتبه لأمور ذهلت منها وتعجبت لماذا لم أدرك ذلك من قبل ؟، قمت بإعداد بحث تحت عنوان " هل القرآن كلمة الله ؟ "

استغرق مني هذا البحث قرابة الستة أشهر ، في خلالها زارني الأمير في وقت مفاجئ لم أكن أتوقعه ، وكنت في دورة المياه فاستأذن من والدتي ودخل غرفتي لأنه كان معروفا عند أسرتي إذ قضينا سوية فترة الاعتقال وكانوا يرونه معي في كل زيارة ، اعتقد الأمير عندما شاهد الأوراق المكتوبة مبعثرة هنا وهناك أنني قد أنهيت جزءاً من البحث المطلوب مني وسمعته يقول : بارك الله فيك ، هكذا تكون الرجال ، إن نظرتي لا تخيب ، لقد قلت أنك الوحيد القادر على عمل ذلك ، فقلت في نفسي ‘إنك لا تدري ما تحتويه هذه الأوراق ، وخرجت لملاقاته فإذا وجهه قد تغير إلى الحمرة وبدا مضطرباً فجذبني من ياقتي قائلاً : ماذا أقرأ ؟ هل أنت كتبت ذلك ؟ مش معقول أنت . . من ضحك عليك ؟ من خدعك ؟ من أغراك لتبع دينك ؟ قلت له : لو كانت هناك خديعة فأنت صاحبها ولو كان هناك إغراء فأنت صاحبه ولو ارتكبت إثماً فهو عليك  ؛ لأنك أنت الذي دفعتني لذلك كله ، اعتذرت إليك ولم تقبل عذري ، كنتم تعرفون كراهيتي للمسيحية والمسيحيين وأصررتم على أن أكون أنا من يقرأ كتبهم ، أقسم لك أنني أتمنى لو أن كل ما عرفته يكون خطأ لقد عشت معك أقصى وأصعب فترات حياتنا أليس كذلك ؟ قال نعم . قلت هل كنت تلاحظ علي شيئاً ؟ قال : لا  قلت إذن فاعذرني ؛ الأمر ليس بيدي ولا مجرد معلومات لكنه يتعلق بقلبي الذي لا سلطان لي عليه، يا ليتك تقرأ ما قرأت وتعلم ماعلمت ؟ فانتفض هائجاً وأراد أن يمزق الأوراق المكتوبة.  (ألوهية المسيح  القرآن ليس كلام الله ) ، دار بيننا شجار جاءت والدتي على آثره وغادر منزلي قائلاً  نحن قد علمنا ما بك كن لي لطلب إن كنت تريد أن تبقى حياً قلت : ما هو ؟ قال : المجموعة التي أنت أميرها عساك أن تخبرهم بشيء من السموم التي تكتبها ، وأنا سأقول إنك قد ارتديت ولن أفصح لهم عن السبب ، وأحذرك لو حدث منك شيء غير هذا فإنك أفضل من يعرف ما ينتظرك . قلت الحقيقة التي تجهلها أنت   هي: أن الأوضاع تغيرت والأيام غير الأيام ، وأنت خير من يعلم ذلك بصراحة أنا لا أقبل تهديدا لسبب واحد هو أنك لن تقدر على شيء مما تهددني به ، ولعلمك لقد دفعتني أمانتي أن أطلب ممن معي ألا يزوروني هذه الأيام لأنني خشيت أن أستمر أعلمهم شيئاً أنا أشك في صحته ولذا صرفتهم عني لأنني كنت أميناً معهم ، لكن أؤكد لك أنني أحب الله وادع لي أن يعيد الله لي صوابي إن كنت قد فقدته ، انخرطت في بكاء شديد واسترجعت الذكريات الجميلة لحياتنا معاً في السجون والمعتقلات ، وكيف كنا نتحمل الصعاب معاً والحقيقة عز علي كل ذلك لكن إن كانت تلك إرادة الله فوداعاً لكل ذكرى طيبة بعيداً عنه وأهلاً بالأشواك إلى جوار الله، بدأت الجماعة من خلال الأمير تقطع كل صلاتها بي حتى الذين كانوا يقابلونني يومياً لا يسلمون علي فعلمت على الفور أنه قد تم تكفيري ، ولم يكتفوا بذلك بل سحبوا مني المبالغ التي كنت آخذها من بيت المال لأنفق على نفسي منها ، ولم أتأثر ، لقد تصوروا أنني سوف أضيق بتصرفهم وسأعود إليهم تائباً ، هم لم يفهموا ما كان بداخلي، كنا معاً قد اشتغلنا في ما يشبه توظيف أموال  اشتركت أنا والأمير وشخص ثالث بالأموال التي عدنا بها من الخارج وكنا نتاجر في الملابس الجاهزة ، وكنت أنا مسئول الاستلام وتوقيع الشيكات لدى التجار الذين نتعامل معهم، ولما حدث ذلك مني لم يسددوا المبالغ المطلوبة وأصبحت أنا مطالب بسدادها ، ورفعوا عليّ قضية بالمحكمة ، وتوقعوا من كل ذلك أن اعتذر وأتوب عن كفري  وقالوا لي صراحة في المحكمة  (الأمير فقط ) إذ اقترب من القفص وقال نقدر أن نسحب القضية إذا راجعت نفسك وتبت إلى الله وأخبرتنا من أثر عليك لتسلك هذا السلوك ، كنت لا أجاوبهم ، وحكمت المحكمة بأن أرد المبلغ على أقساط قيمة كل قسط 160 جنيه ، وكانت تلك ضربة قوية لهم إذ أنهم كانوا يهدفون لحبسي ، ومرت التجربة بسلام والحمد لله  لكنني أخذت أكلم الله بحدة وبثورة وأكرر لماذا يا رب تفعل ذلك معي ؟ هل خصصت العذاب لي وحدي . منذ الصغر وأنا أقاسي وأتحمل المتاعب ،لم يعد لي صديق لأنهم كفروا بك ، فقدت مودة أهلي لأنهم لم يقبلوك ، فقدت دراستي لأنها كانت عائقا بيني وبينك ، والآن لا أدري ماذا خبئت لي في جعبتك من الآلام ، من فضلك ترفق بي هون عليّ فأنا ضعيف لا حول لي ولا قوة ، لا تتركني في هذا البحر اللجي تتخبطني الأمواج ولا أدري لأي شاطئ تقودني ، قل لي أين أنت ؟ هل أنت الذي تقول عنه النصارى أم أنت إله موسى أم أنت إله محمد ، وإن كنت كذلك لما سمحت لي بكل هذا القلق في حياتي ليعكر علي صورتك الشفافة ، أرجوك يا رب لا تتركني وحدي وأنا أعدك أن أتبعك أينما كنت  ،لأنني لا أخاف سواك وأنت تعلم ذلك علم اليقين  ولم يقطع عليّ مناجاتي هذه سوى صوت والدتي تطلب مني أن آخذ الطعام ، لأنني لم أكن آكل معها لأنه لا يجوز لي أن آكل مع مشرك وكانت والدتي كذلك .

تطرقت بعد ذلك إلى موضوع غاية في الخطورة والأهمية ألا وهو إذا كان القرآن ليس من عند الله إذن فمن يكون محمد هذا ؟ حتماً لا بد وأن يكون كاذباً في ادعائه النبوة ، لكن كيف أثبت ذلك ، وبمجرد أن حدثتني نفسي بذلك ارتعبت رعباً شديداً وقلت مش ممكن ؛ محمد ليس نبي ؛ طيب معجزاته وإمبراطوريته التي كانت مترامية الأطراف   وكل هذا الكم من الناس الذين اتبعوه ، كنت أشعر وكأنني على وشك أن يحل عليّ انتقام الله الشديد ويحيط بي عذابه ، لكن بعد أن هدأت ثورتي هذه بدأت أشعر بشجاعة وعزيمة نحو ضرورة أن أبحث في من هو  محمد ؟ وهل هو نبي أم لا ؟ كانت دلائل نبوة محمد ترتكز على عاملين أساسيين هما أنه أمي ونزل عليه القرآن ، وأنه كان قبل النبوة معصوماً ولم يرتكب منكراً قط .

الأميـــة : لم يكن في اعتقادي أن أجد ما يدل على أن محمد كان يقرأ ويكتب لأن كل الذي أعلمه وتعلمته أنه يستحيل أن يكون محمد يكتب ويقرأ ، هذا دفعني لقراءة كتب السيرة مرة ثانية والحقيقة وجدت أمورا تعجبت كيف كانت تمر عليّ من قبل ولم أدرك ما فيها ، وجدت أن محمدا كان يخلو في نفس المكان الذي كان يجلس فيه ورقة والنضر بن الحارث وورقة بن نوفل وابن ساعدة القس المشهور  وجدت أن محمدا كان يتاجر بأموال خديجة الكثيرة وأنه قد أبرم عقودا واتفاقيات مع تجار اليمن والشام ، وما يقال عن أنه كان يحمل خاتما يوثق به اتفاقاته غير صحيح كدليل على أميته لأنه فعلاً كان لديه هذا الختم وإنما هذا كان شيئا متعارفا عليه في أمور التجارة ، أن يكتب البائع والمشتري الاتفاقية ثم يطبع عليها بالخاتم للتوثيق وهو ما يشابه ختم شعار الجمهورية الآن ، وجدت أنه بعد النبوة كتب صلح الحديبية بيده وجدت أنه كان في كفالة عمه أبو طالب وكان أكبر من علي وكان علي يقرأ ويكتب ومن الصعب ألا يتعلم محمد من علي أمور الكتابة حتى ولو القليل منها ، وجدت أن محمدا كان يجلس عند يسار النصراني ويأخذ منه نصوصا من الإنجيل ويقرأوها ، وجدت أن جبريلا عندما نزل عليه طلب منه أن يقرأ ولم يكن من المنطقي أن يطلب من محمد أن يقرأ وهو لا يعرف القراءة ، ولو أضفت إلى ذلك ما وجدتنه عند البحث عن صدق نبوته الذي قادني لذلك كله فيصبح محمد لا نبيا ولا صديقا ، ويمكن دراسة البحث المنفصل عن هذا الموضوع في كتيب أعددته تحت عنوان " محمد في التوراة والإنجيل "

ثم نأتي إلى مسألة عصمته ، هنا ، حدث ولا حرج ، وأي كتاب من كتب السيرة مثل السيرة الحلبية والطبقات الكبرى، وسيرة ابن هشام حتى كتب التفسير التي تكلمت عن آية سورة النحل التي فيها " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منها سكراً لكم " هناك عدة أحاديث صحيحة تقول إن محمدا كان يشرب النبيذ ، ويوصي صحابته أن إذا وجدوه شديد التركيز أن يكسروه بالماء ، وكان يأكل من الذبائح التي تذبحها قريش عند الكعبة على الأوثان ، وكان يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله ، وكان يطمع في نساء أتباعه إن استحسن منهن شيئاً كما حدث يوم خيبر عندما وقعت صفية بنت يحيي بن أخطب في سهم عبد الله بن عمر فأخذها منه وتزوجها ، وكذلك زينب بنت جحش زوجة زيد ، كل ذلك أزال الصورة البراقة وهدم الهيكل المقدس الذي كنت أضع فيه الرسول ، ولا أخفي أنني كنت أتألم كلما اكتشفت شيئاً من هذا القبيل .

رغم كل ما وصلت إليه لكن للأمانة كنت تواقاً لأن أجد ولو القليل الذي يعينني على أن أبقى مسلماً لأنه الدين الذي رضعته في طفولتي ، كنت مجرد التفكير في تركه يقلب حياتي إلى جحيم وخوف ورعب ، كنت كلما وجدت شيئاً أو قرأت نصاً في الكتاب المقدس ذو معنى حسن، ازددت حقداً وحسداً وغيظاً على المسيحيين وازدادت قسوتي ، وكان لي زميل يعمل معي فكلما وجدت شيئاً في الإنجيل ذهبت لأخرج كل غيظي عليه أتلف له ممتلكاته الشخصية ، أدفع للآخرين فلوسا لكي يكيدوا له ويشتكونه للسلطة العليا  ، ومرة أحرقت له ملابسه حتى اضطر للعودة لمنزله بملابس العمل ، كنت أقف أمام أحد المحلات التي يمتلكها رجلٌ مسيحي وأحذر الناس من الشراء منه قائلاً : إن بضاعته  غير جيدة لا تشتروا منه ، إنهم مخادعون ويريدون أن يدمروا الإسلام ، إنهم كما قال القرآن   "  لا إيمان لهم " حتى أن هذا الرجل المسن كان يقول لي : يا بني ماذا فعلت لك ؟ حرام عليك عندي أولاد أريد أن أربيهم " ، وتارة أخرى أحذر زملائي من السلام عليهم وأذكرهم بحديث الرسول لا تسلموا على أهل الكتاب ولا تردوا عليهم السلام وضيقوا عليهم الطرقات ، وأقول بصوت عال : هؤلاء خبثاء يتظاهرون بالحب وهم أشد عداوة لله وللمؤمنين لا تنخدعوا بما ترونه عليهم من مسكنة إن ذلك إلا تصديق لقول الله " ضربت عليهم الذلة والمسكنة "

وذات يوم حافل بمثل هذه التصرفات أحسست بهاتف داخلي يقول لي : كن صادقاً مع نفسك ، هل بعملك هذا ستقدر أن تزيل كل ما علمته من كتبهم ؟ أنت قلت أنك سوف تتبع الله أينما كان فلماذا كلما أضاء الله لك نوراً تحاول أن تطفئه بيدك ؟ كن أميناً مع نفسك حتى تستريح ؟ راجع نفسك هل تريد الله أم ماذا تريد ؟ ، الأمر ما زال في يدك ولا أحد يفرض عليك شيء ، رجعت إلى المنزل مهموماً ، حاولت أن أصلي لكن لم أقدر ، قرأت في الكتاب المقدس في إنجيل متى ووقعت عيناي على الصلاة التي علمها المسيح للتلاميذ وحفظتها ، وفجأة شعرت ببرود وهدوء غريبين ينسكبان عليّ أشبه بمن يسكب ماءً ليغسل من ذاكرتي شيئاً ما ، وقلت لنفسي : يا رب هل تقدر أن تجعلني على ما أرى المسيحيين عليه من هدوء وصبر وتحمل وبساطة ومحبة إن أنا صليت كما هو مكتوب في الإنجيل ؟ وشعرت بسعادة بالغة وكأني سمعت الرد يقول لي : نعم ، تهلل وجهي فرحاً وأخذت أنتظم في الصلاة الربانية ، أقوم في الفجر في مواعيد الصلاة التقليدية التي تعودت عليها وأتوضأ وأبسط السجادة وأقف وأقول : أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك ليأت ملكوتك لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض ، خبزنا كفافنا أعطنا اليوم واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضاً للمذنبين إلينا ولا تدخلنا في تجربة لكن نجنا من الشرير " وفي النهاية أقول : السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله " استمريت على ذلك كثيراً لكن لم أجد تغيرا إذ ما زلت عدوانياً مع أسرتي ومع المسيحيين مما جعلني أقرر أن أترك كل الأديان فلا الإسلام نافع ولا المسيحية نافعة ومن يدري فلعلي بعد أن أقتنع بالمسيحية لفترة ما يحدث أن أقرأ  كتابا ما فأجد ديناً آخر أفضل وأبقى طوال حياتي متنقلاً بين الأديان ، الأفضل في مثل حالتي هذه أن أعيش مثل ما يعيش الناس العاديين لماذا أشغل تفكيري بالدين عندما أموت يفعل الله بي ما يريد ، لكن هذا لم يكن حلاً وفجأة طرأت في بالي فكرة قلت إن سبب كل هذه المشاكل هذا الكتاب أي التوراة والإنجيل فلأمزقه وأسترح ، وهممت بذلك وإذا رعشة خفيفة تسري ببدني وهاتف يقول اتركه فقد تحتاجه ، ولماذا هذا بالذات، لقد سبب لك القرآن أكثر من ذلك فلماذا لم تقطعه ؟ كنت إذا ركبت سيارة أقول : يا رب تنقلب السيارة وينجو الجميع إلا أنا ، ويا ليت البيت ينهار فوقي أنا وحدي يا رب إن كنت لا تريد لي الهداية فخذ نفسي أرحم مما أنا فيه ، وفي خضم هذه الأفكار والصراعات والهموم  وكان ذلك في منتصف النهار أي الساعة الرابعة عصراً في يوم من أيام شهر تموز وكنت جالساً أستعيد ذكرياتي الطويلة مع الإسلام والجماعات والإرهاب وأخيراً مع الإنجيل والتوراة وما صار من الأمير تجاهي وأقول : يا رب أنك تعلم أنني في كل هذه الأحداث لم أكن أبحث إلا عنك فهل من عدلك ومحبتك أن تتركني هكذا ، حتى يا رب أن كنت تعاقبني عن جرم بدر مني فأعتقد أنك قد استوفيت حقك ، وأي جريمة تلك التي تستحق هذا العقاب ، أرجوك لا تتركني وحدي في هذا الصراع ، وفجأة وجدت باب غرفتي يفتح فاعتقدت أنها والدتي تحضر لي الغذاء فإذا برجل طويل عريض المنكبين طويل الشعر كثيف اللحية وبجواره عمود من نور أبيض فاقع كالضوء المنبعث من لمبة النيون ولم أقدر أن أتتطلع اليه أو أوجه نظري نحوه وصوت يناديني قائلاً : قم اعتدل المسيح يريدك  ولم أشعر بنفسي إلا خارج الغرفة أنادي على والدي ووالدتي وأخوتي ليروا المسيح ( سيدنا عيسى ) لأنه مكتوب في البخاري من رأى نبياً فقد رأى هدىً لأن الشياطين لا تتمثل بالأنبياء ، فعسى ان رأى أهلي المسيح أن يهتدوا ، ثم عدت لغرفتي ولم أجد شيئاً فحزنت جداً وقلت : حتى هذه المرة لم ترد أن تنصفني يا رب لماذا لم تنتظر لتبرهن لهم عن صدق حديثي ، إنهم الآن لن يقولوا أكثر من أنني جننت ، وفعلاً نزل كل اخوتي وأهلي وتوجهوا نحو غرفتي فلم يجدوا شيئاً وما توقعته حدث فقالت والدتي : يا رب لماذا كل ذلك ، لقد فرحنا بعودته وهدايتك له بالاستقرار وها أنت الآن تصيبه بالجنون وأخذت تبكي وتضمني إليها .

ويقول أخي :لا تقلق سأذهب بك لأفضل طبيب نفساني في مصر كلها ، وتقول أخواتي : كل هذا بسبب ما  تكتبه طوال الليل هذه نهاية ذلك الجنون يا رب  اشفه وبعد أن انتهوا جميعاً من مراثيهم ، توجهت ناحيتهم وقلت لهم : الست أنت فلان ؟ قال نعم ألست أنت أمي ، وأنتي أختي وأنت أخي إني أعرقكم جميعاً ولو كنت مجنونا ما عرفتكم لماذا لا تصدقوني لقد رأيته كنور عظيم وتكلم إلي  كان رأيهم أقوى من كلامي حتى أنني قلت : ما دام الأمر كذلك لماذا لا أكون كما قالوا ؟ صحيح إن هذا الكلام الذي أقوله كلام مجانين فعلاً أنا مجنون وعلي أن أستمع وأخضع لهم في كل ما يقولون وبدأت استسلم لكوني مجنونا فرقدت في سريري لا أكلم أحدا ، ويتوافد علي اخوتي يعزونني وأنا لا أنطق بحرف ، وفي الصباح اصطحبني أخي بالسيارة وذهبنا لأكبر طبيب نفساني في مصر ، ودخلت للطبيب بعد أن نادى عليّ وجلست أمامه وسألني ماذا بك ؟ قلت لا أدري أخي جاء بي إلى هنا ، قال إن أخيك يقول إنك تقول أنك رأيت سيدنا عيسى ؟ قلت نعم رأيته ، قال هل تقدر أن تصفه لي ؟ قلت : وهل رأيته أنت من قبل ؟ قال : لا قلت : وكيف ستعرف ما إذا كان الذي سأصفه لك هو أم لا ؟ قال : إن حالتك صعبة وطلب أخي وأخبره أنني مصاب بحالة اكتئاب حاد ويلزمني جلسات كهرباء بسرعة تبدأ بست جلسات وتتدرج إلى اثنتين ، وطلب منه أن يحضرني للمستشفي مرتين في الأسبوع فقال أخي إننا بعيدين عن القاهرة بحوالي ساعتين ونصف سفر ومن الصعب أن نأتي كما يقول ، لكن من فضلك حدد لنا كيفية اجرائها ونبحث عن طبيب يمكنه القيام بذلك بالقرب من مدينتنا ، وافق الطبيب ووافقت أنا أيضاً قائلاً إنني لا أخاف من جلسات الكهرباء فقد أخذتها كنوع من التعذيب بالمعتقل من قبل وبالتأكيد فهي للعلاج ستكون أخف ، ولماذا أرفض فلو كنت مجنوناً فسأستريح مما يدور بفكري وإن كان غير ذلك فإني أضيفها مع سابقتها من ألوان العذاب التي تحملتها في بحثي عن الله عسى الله أن يرحمني ، انتهيت من الجلسات والعلاج الذي قرره الطبيب وتوقعت أن أنسى كل ما كنت أفكر فيه من قبل إن كان ذلك وليد جنون أو توتر نفسي لكن بعد أن أنهيت العلاج وجدت نفسي كما كنت بل مدفوعاً أكثر لقراءة الكتاب المقدس ، ولم أكن أهدأ أو أقدر أن أنام إلا بعد قراءة شيء من الكتاب ، لكن أخذت على نفسي ألا أحدث أحد بأي شيء فيما بعد ، قررت أن أعيش كمسيحي لأرى عمل الله إن كان هذا هو طريقه فبالتأكيد لا بد وأن أرى ثمار ذلك وأرى تأييده لي وإلا عدت كما كنت ، كما قلت من قبل كنت أواظب على الصلاة بطريقتي وهي خمس مرات كل يوم الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء ، لم أكن أقرأ شيئا مما كنت أقرأه في صلاتي السابقة بل فقط أبانا الذي ، لكن احترت كيف أصلي كيف أزكي ما هي الطقوس المطلوبة مني حتى آتي بها كاملة لأكون مستحقاً أن يعمل الله في ، لا بد لي أن أذهب للكنيسة لأتعلم كيف أعبد الله ؟ لم يلق هذا الرأي قبولاً لدي إذ كيف أذهب للكنيسة بهيئتي هذه أو كيف أذهب للكنيسة مذلولاً خاضعاً وأنا الذي كنت كذا وكذا لا . . لا . . نؤجل الكنيسة الآن ، ويمكنني أن أسأل بعض الأشخاص معي بالعمل  لكن من منهم يوافق على مقابلتي بعد كل ما صنعته بهم ؟ وفعلاً رفضوا جميعاً الالتقاء بي لأنهم ظنوا فيّ إما أن أقتلهم أو أرغمهم على الإسلام ، لكن واحداً منهم وافق لكن بعد شهر ، كان ذلك طويلاً علي ففكرت أن أقرأ المزيد عن أفكار المسيحيين ماذا يقولون وهل هناك كتب لهم كما للمسلمين ،أولاً : قررت أن أقص لحيتي حتى لا ألفت الانتباه  ، وأن استعير قميصا وبنطلونا لأرتديهما بدلاً من الجلباب الذي كنت أرتديه طوال حياتي ، وذهبت للمكتبة التي اشترينا منها الكتاب المقدس من قبل ، ولم يعجبني كتاب فيها فذهبت لمكتبة أخرى بشارع آخر وأخذت أتفرج على المعروض من الكتب ، وأردت أن أدخل المكتبة لكن ترددت وشعرت أنني أرتعش إذ كيف أدخل مكتبة المسيحيين وأنا كنت لا أطيق مجرد النظر إليها ، وربما يطلبون مني بطاقتي ويستدعون الأمن فأذهب للمباحث وبالإطلاع على ملفي هناك أكون قد ألقيت بنفسي إلى التهلكة ، وبعد تردد شديد دخلت المكتبة ولفت نظري بعض الكتب ، لم أكن أعرف ماذا أريد أن أقرأ ، بل كل كتاب يستهويني عنوانه أشتريه ، فأخذت كتاب برهان يتطلب قرارا  وإيماني ، وكفارة المسيح ، وكنت كلما أنهيت قراءة كتاب أحرقه  وعندما انتهيت من الكتب كلها ذهبت للمكتبة ثانية لأبحث عن كتب أخرى فوجدت كتاب أسمه التوحيد والتثليث ، علم اللاهوت الكتابي  وعندما قرأت الأسعار ووجدت أن ما معي من نقود لم تكن كافية حاولت إرجاع الكتب إلى أماكنها ثانية ؛ فإذا برجل مسن يأتي إلي ويقول : لماذا أرجعت الكتب ؟ قلت لا أريدها قال ؟ لو أنك كنت لا تريدها لما أخذتها من مكانها ؟ قلت وما دخلك أنت ؟ هل تحقق معي لا أريدها فوضع يده على كتفي وابتسم وهو يربت على كتفي ويقول : يا بني خذ هذه الكتب وسأدفع ثمنها وسأريك عنواني إن أعجبتك فيمكنك إرجاع ثمنها إلي وإن لم تعجبك فيمكنك أن تمزقها أو تتخلص منها كما تحب ولن تخسر شيئاً . فقلت له من أدراك أنني لا أملك ثمن هذه الكتب ؟ قال الروح القدس ، قلت في نفسي ما عسى أن يكون الروح القدس هذا ، وأخذت أفكر كثيراً في ذلك ، ذهبت معه إلى منزله وجلسنا بضع دقائق وكنت أخشى أن يطلب مني بطاقتي فيعرف شخصيتي فيعتقد أنني أريد شيئاً ما لكن الله سلم ولم يسألني حتى عن أسمي ، كنت أقرأ هذه الكتب وغيرها من الكتب إما بالبيت أو أستأجر غرفة في فندق وأجلس طوال الوقت أقرأ ؛ كنت لا أريد أن أضيع دقيقة حتى في الأكل أريد أن ألتهم كل كلمة تتكلم عن المسيح أو تؤدي بي ولو خطوة واحدة نحو المسار الجديد للحياة الجديدة التي بدأت تقتحم عزلتي ، وكثيراً ما كنت أجلس في مقهى في أحد الشوارع كل رواده من المسيحيين ، أقرأ ما اشتريته من كتب ، أحببت تعاليم الكتاب المقدس أو بمعنى أصح أحببت أن أكون كما هو مكتوب بالإنجيل من صفات وخلق لو عشتها بأمانة لأصبحت ملاكاً يسير على الأرض  كان كل تفكيري منصب حول تساؤل يخطر ببالي دائماً   وهو : هل من الممكن يا رب لو أنني قبلتك وعملت حسب إنجيلك أن تجعلني على صورة أفضل من تلك التي أنا عليها الآن ، هل من الممكن أن تخلق فيّ قلباً محباً بدل ذاك القلب المملوء عداوة وكراهية ؟ هل من الممكن أن يكون لي أصدقاء حتى ولو لم يؤمنوا بما أنا عليه ؟ هل من الممكن أن أحب أمي وأبي وأخوتي حتى ولو لم يقبلوا ما أنا عليه ؟ هل من الممكن أن يكون لي أصدقاء أحبهم ويحبونني حتى ولو لم يصدقوا ما أقوله ؟

هل تقدر أن تفعل بي ذلك يا رب؟ وهل من الممكن أن أحب بلدي وأشعر بالانتماء لها كما أرى كل الناس  يا ليت هذا يحدث ؟ لقد كانت أولى الخطوات التي نتبعها في تلمذة كل من ينتمي إلى الجماعة هي أن ننزع عنه أي انتماء سواء للبلد الذي هو منها أو أسرته بمن فيها ولا يكون له انتماء إلا لله ولا ولاء إلا للأمير ، لذا لم أكن أصدق أنني يمكن أن أتغير ، أو أحب ، لقد تركت رؤيتي السابقة للنور والشخص الذي قال لي : قم المسيح يريدك ، انطباع محير ، إنني أعلم أن رؤية أحد من الأنبياء هي دلالة على الهدى لكن أي هدى ذلك في تلك المرحلة هل هو هدى الإيمان المسيحي أم هو هدى الإسلام الذي كنت عليه من قبل ؟ كانت تلك الأفكار تزاحم تفكيري حتى أنني لم أكن أشعر بنفسي وأنا أسير في الشارع ألتفت حولي وكأن أحدا يطاردني كانت تسبقني خطواتي ولا أعرف إلى أين أذهب ، حقاً كانت مرحلة غاية في الصعوبة ، حتى قررت أن أذهب لاحدى الكنائس إن كنت أريد أن أحيا كما يريد الله وكأن لسان حالي يقول لقد سمعت الصوت وعليك أتباعه ، أنت قد عشت في الإسلام زماناً هذا قدره  لكنك لم تعش يوماً بالإيمان المسيحي لتعرف أيهما أفضل وأقرب إلى الله  ذهبت فعلاً ليس إلى كنيسة واحدة بل إلى عدة كنائس ، ولم يكن ذلك بالشيء السهل عليّ  إذ كنت أصارع إبليس كلما قررت دخول كنيسة من الكنائس فيقول لي : أهكذا تدنت حالتك يا . . تذهب للكنيسة شتان الفارق بين ذهابك اليوم مذلولاً وذهابك من قبل لتعلي كلمة الله ، هل نسيت ما فعلته بالكنيسة من قبل ؟ هل نسيت هتافك الذي كان يدوي في كل أرجاء الكنيسة يوم حرقتها أنت وإخوانك ، إن كنت نسيت أذكرك  كنت تقول : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً ، أين هو الحق الذي عرضت نفسك من أجله للموت ؟ ، لم يعد أمامك إلا الكنيسة وكر الكفر والشرك ، هل ستشرك بالله بعد تلك الرحلة الطويلة من الوفاء والإخلاص لله ؟ قم من نومك يا .

. . استغفر الله وتب إليه واشهد ثانية بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، قم اغتسل وأرفع عنك تلك الأفكار الشريرة  واستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، وبعد فترة أجد نفسي منقادا بلا وعي للكنيسة وكنت أجد صعوبة حتى أنني كنت أشعر أن هناك من يجذبني من الخلف ليمنع ذهابي للكنيسة حتى أنني صرخت بصوت مسموع قائلاً : سأذهب للكنيسة سأذهب للكنيسة مهما كان الأمر ومهما كلفني . كفى ما أنا فيه الآن لم يعد لي صديق  ولم يعد لدي إحساس بأن لي أهل مثل باقي الناس ، لم أعرف الرحمة طوال حياتي ، لقد قتلت وسرقت وها أنا اليوم بلا أهل ولا أصدقاء ولا أصحاب ولا أي شيء مما خلقه الله لنا ؛ هل من الممكن أن يكون الله راضياً عني بهذه الصورة أي إله ذاك الذي يأمر بالقتل والكراهية والعداوة والبغضاء لكل من لا يقبل ما نقول ، ارحمني يا رب أنا مسكين وضعيف أريد أن أعيش ولو لحظات كأي إنسان طبيعي أريد أن أحب بلدي وأهلي وأصدقائي لكن كيف وفي أي الاتجاهين أقدر أن أحقق هذا ؟ إذن فلأذهب للكنيسة مهما كلفني حتى ولو كلفني حياتي واندفعت مسرعاً نحو الكنيسة ، لكن لم يكن موقف القسيس مني كما كنت أتوقع بل كان صعباً ، إذ رفض الاستماع إليّ مما زاد من هجمة إبليس عليً ، لكنني وإن كنت فشلت في أن أقنعه بالاستماع لي فلا أنكر أنني خرجت وبي شيء من الراحة النفسية ، ساعدتني على تكرار المحاولة لكن للأسف لم تنجح أي محاولة للجلوس مع أي قسيس لأعرف منه ماذا أفعل لأكون مستحقاً لخلاص المسيح إذ أن النص يقول : من آمن واعتمد خلص ، وما كان يشغلني هو كيف أؤمن ؟ ما هو المطلوب مني ؟ كيف أصلي ، كيف أصوم ، كيف أحج ، كيف أزكي، وفي آخر مرة خرجت من الكنيسة مهموماً جداً أو كما يقولون أجر أذيال الخزي والعار ويقول إبليس في أذني : لقد رفضوك ، إنك تستحق ذلك وسوف يريك الله ما هو أشد من ذلك ، لكن لم يستمر ذلك كثيراً حتى سمعت وكأن أحداً يكلمني بصوت خافت ويقول : اسمع يا   أنت لا تعبد الناس فلا تيأس من سلوكهم نحوك ،لأنك تعبد الله والله لن يخذلك ولن يضيعك أبداً فقط اصبر وتمسك به إن كنت حقاً تبحث عنه ؟ ولن تطول أيام تعبك هذه فالله لا يرد من يطلبه ألم تقرأ قوله " تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" [ قلت : قرأته يا رب إن لم يكن الآن فقد كانت عيناي تطالعان هذا النص الذي كان مكتوباً على جدار أحد الكنائس وكنت أراه كل يوم طوال فترة دراستي بالكلية وأنا أركب الأوتوبيس من المدينة الجامعية حتى الكلية، لدرجة أنني حفظت المكان فكنت كلما أقترب من المكان هذا أضع يداي على عيني حتى لا أراه] سلم حياتك لله وهو يتصرف ، قلت نعم يا رب أنا أسلم حياتي لك لكن ارحمني مما أنا فيه ، علمني طرقك أنا تائه حيران ، كثير ما يحدث لي هذا يا رب . كنت كلما مررت بتجربة مثل هذه أعود وأقرأ في الكتاب فأشعر براحة نفسية عجيبة ، بعد ذلك فكرت في الاتصال بأحد المسيحيين الذين كانوا يعملون معي لكنهم جميعاً لم يرحبوا بمقابلتي خوفاً من أن أكون قد أعددت لهم كمينا لإيذائهم وبعضهم رفض لأنه اعتقد أنني أريد أن أدعوه للإسلام ، ولكن إن أراد الله شيئاً فلا يمنعه أحد ، فذات مرة كنت مع أحد المهندسين في زيارة لصديق له وفي طريق عودتنا طلب مني على سبيل السخرية والاستهزاء أن نزور صديقا له مسيحيا لأنه كان يعلم مدى كراهيتي للمسيحيين واعتقد أنه بهذا يريد السخرية بي ، لكنه لم يتوقع أن أقبل ذلك  بمجرد أن طلب مني ذلك وافقت على الفور ولكنه كان كل دقيقة يقول لي : إنه مسيحي هل تعلم ؟ أقول نعم وأنا موافق على زيارته  فطلب مني ألا أتصرف مع المسيحي بطريقة تسيء إليه فقلت له : لا تخف سأكون عند حسن ظنك ، وذهبنا لصديقه المسيحي وكان يعلم عني كل شيء بل طالما كنت اعترض طريقه وأثير المسلمين ضده ونتهجم عليه بالسباب طالبين منه أن يسلم ، بمجرد أن رآني أمام شقته ارتعد وأغلق الباب سريعاً فعاود زميلي الطرق ثانية ففتح الباب وقال لزميلي : لماذا جئت بهذا إلى هنا ؟ ألم يكفك ما يفعله معنا بالمكتب  حرام عليك إني رجل لا أسيء لأحد وبعد مناقشات سمح لنا بالدخول وفي شقته لفت نظري كتابا مقدسا على طاولة تتوسط غرفته ، فأخذته وتصفحت فيه قائلاً هل هذا هو كتابكم المقدس ؟ فأجاب بتلعثم وارتباك نعم هذا والقرآن كذلك كله من عند الله وأسرع للمكتبة وأخرج لي مصحفاً وقال : انظر هذا مصحف كله" كويس" القرآن والإنجيل والمسيح ومحمد كله كويس ، كان يبدو عليه الخوف والفزع مني فأردت أن أقترب منه فإذا به يبتعد كلما اقتربت منه ابتعد هو عني حتى قطعنا الصالون ندور كل منا حول الآخر وأخيراً اقتربت منه إذ لم يجد مكاناً ينزوي فيه فقلت له : لماذا تبدو هكذا أريد أن أتكلم معك ؟ مع العلم أن صديقه الذي كان معي قد دخل أحد غرف الشقة ليستريح فقد كانت تربطهما معاً علاقة قوية ، وانتهزت هذه الفرصة لأتحدث معه عسى أن يساعدني على بلوغ ما أريد ،لكنه لم يتجاوب معي فطلبت منه أن أزوره مرة ثانية وحدي ، فقال لا مانع لكن لن نكون وحدنا بل سيطلب بعض أصدقائه ، قلت لا مانع لكن اكتب لي العنوان ، كتب لي العنوان وزرته في اليوم المحدد ؛ وإذا به قد جمع نصف دستة من الأصدقاء خوفاً مني ، تكلمت قليلاً معه ولا أنكر كنت أتكلم كقائد عسكري مهزوم يفاوض المنتصرين كنت أضع رأسي وأنظر أسفل قدماي من الخجل وأنا فلان الذي كان وكان ، ها هو  يستجدي من المسيحي كلمات تقوده نحو ما كان يحاربه من قبل ، لكن هو سلام الله والرغبة في الخلاص اللذان دفعاني للتنازل عن كل شيء ، في سبيل الظفر بدخول ملكوت الله الذي طالما بحثت عنه قديماً وقدمت من أجله كل ما استطعت فلماذا لا أقدم الآن بعد أن اكتشفت أنني كنت ألهث نحو سراب لا وجود له إلا على صفحات الكتب ، أصبح عندي رغبة لعمل أي شيء للوصول لطريق الرب ، كان صديقي هذا قليل المعرفة بالكتاب لذلك لم يقدم لي جديداً  ، وكانت لديه مشاكل عائلية حتى أنني قد سمعت من بعض الناس أنه يفكر في الإسلام ليتزوج مرة أخرى مما أزعجني واحتقرته  وشعرت بأنه لن يقدم لي ما أحتاجه ، لكن بعد أن تقربت اليه وتكررت زيارتي له توطدت علاقتي به كثيراً وكان يهيئ لي مكانا أقرأ فيه بحرية ولم يحاول أن يفرض فكراً ما علي لأن كان لي اتجاه واحد محدد وهو الرب يسوع بعيداً عن الفرق والطوائف التي عانيت منها في الإسلام من قبل لكن قد تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، إذ لم تدم تلك العلاقة كثيراً، وعلمت أن هناك شخصا آخر أكثر منه فقهاً في الكتاب لكن كانت علاقتي به غاية في السوء ، فكان كلما طلب مني شيء في العمل أعطه بيانات خاطئة وأحرض الناس عليه بل أمنحهم هدايا كلما أهانوه وأضروه ، واستبعدت أن يوافق على مقابلتي ، لكنه وافق و طلب مهلة شهر ليفكر وطلب مني أن أعاود الاتصال به قبل أسبوع من مرور الشهر ،أحسست أن الدائرة بدأت تضيق حولي فلا كنيسة تريد أن تسمعني ولا أفراد يريدون مقابلتي كانت صورتي عند كل المسيحيين لا تبعث على الارتياح بل لا أكون مبالغاً إن قلت أن من كان يريد تهديد أي مسيحي يقول له سأقول لفلان كنت أشبه بالوحش الذي يخيفون به الأطفال ، وبعد انقضاء ثلاثة أسابيع من الشهر اتصلت بالرجل ذاك لأعرف هل مازال على وعده أم لا ؟ لم يكن عندي تليفون  وكنت كلما خرجت خارج منزلي أخذت الأوراق التي كتبتها معي خوفاً من أن يطلع عليها أحد ويعلم ما فيها ويحدث ما لا تحمد عقباه كان لدي كما قلت أبحاث عن لا هوت المسيح  وهل القرآن كلام الله ، النبوة ومحمد ، هل هو نبي أم   ماذا ؟ كنت أحمل كل هذه الأوراق مع الكتاب المقدس في حقيبة بلاستيك ، وعندما ذهبت لأتكلم في التليفون من أمام محطة القطار السريع في مدينتي فوجئت بالحقيبة وقد سرقت بكل ما فيها الكتاب المقدس ، الأبحاث  الحافظة ، البطاقة الشخصية ، لم يتغير وجهي ولم تبدو عليّ علامات الغضب ، إذ كنت أملك برود أعصاب اكتسبته من كثرة احتكاكي بالمباحث ورجال الأمن ،  لكن كل الذي سيطر على تفكيري وشغلني أمرين الأول : ربما السارق يقرأ ما هو مكتوب ويرسله للأمن ويكون من السهل عليهم الوصول إلى كاتبه من خلال البطاقة وبهذا أكون مستحقاً لأقسى العقوبة لأن ما في الأوراق هو تهجم على القرآن وعقوبته الوحيدة الإعدام ، لكن هذه النقطة لم تشغلني كثيراً فأنا على يقين أنني عندما تحين ساعتي لن أتأخر ولن أستقدم عنها فنحن ولا محالة ميتون ، لكن الذي شغلني وقلب كياني هو وسواس قوي اجتاح تفكيري وسيطر على كل كياني وهو: إن الله يحبني كثيراً وها هو يقدم لي الدليل الواضح القوي على أن سلوكي نحو المسيحية باطل وما هو إلا طريق الشيطان والدليل أن الله قد أزاح من أمامي كل تهجم على كتابه ورسوله الكريم وأذهب عني السموم من خلال فقدان الكتاب المقدس ، لا يوجد دليل أقوى من هذا لتعرف أنك كنت تسير في الضلال ، قم الآن ولا تتأخر عن التوبة لله فإن الله غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً قم الآن اغتسل مما لحق بك من دنس نتيجة تفكيرك الشيطاني وسلوكك نحو الشرك والفسوق ، لم يكن أمامي سوى الإذعان لأفكار إبليس الشيطانية خاصة وأن صديقي الذي تعرفت عليه من قبل وكان يسمح لي بزيارته والجلوس عنده فترات طويلة للقراءة ؛ عندما علم بأنني فقدت الأوراق هذه ارتعب وملأه الخوف ، وطلب مني أن لا أتصل به أو أزوره حتى نرى نتيجة ما قد يحدث بسبب فقدان هذا الورق ، كان ذلك بمثابة الخيط الأخير الذي كنت أتعلق به وها هو يقطع مثل البقية ، فشعرت أن الله لا يريد لي هذا الطريق وأنني لن أقدر على الصبر في تلك المعركة إذ  أنني بكل صدق رغم ما توصلت إليه وما علمته وما لمسته من حلاوة وعذوبة في كلمات الكتاب واجتهادي ومواظبتي على الصلاة " أبانا الذي " باستمرار دون انقطاع لم يحدث في سلوكياتي أو شخصيتي الذاتية أي تغير ، إذ كنت مازلت أكن بالحقد والحسد على المسيحيين ، ولم أقدر على مسامحة أحد ولم أستطع أن أقول لوالدتي حتى مجرد صباح الخير كنت أخرج من البيت وعلامات الغضب تملأ وجهي وأتعمد إظهارها أمام والدتي وأخوتي حتى يعلموا أنهم كفار وأنني لا أحبهم ، ومازالت روح التمرد والعدوانية تملأ كياني حتى أنني شككت في مصداقية ما قرأته في الإنجيل ، كل هذه وما حدث من فقدان الأوراق اجتمعوا معاً علي في هجمة شرسة ربما لتعطيل عمل الله في  ، أو لكسر الإرادة التي تولدت لدي نحو محبتي التي بدأت تنمو نحو الإنجيل ، ومرة ثانية انخرطت في البكاء الشديد معاتباً الله عما يحدث لي وهل هذا عدل منه أنه كلما قررت أن اخطوا نحوه وتسير الأمور على ما يرام يحدث ما يعرقل ذلك ، لماذا يا رب أنت هكذا معي ؟ ماذا فعلت ؟ إن كنت تعاقبني على ما فعلته في الماضي تجاه المسيحيين فها أنا أتوب وأطلب عفوك وصفحك الذي أنت قد عملته بموتك على الصليب أم أن صليبك هذا ليس إلا كما كنا نقرأ عنه ، من أنت حتى أتقرب إليك وماذا يرضيك لأفعله ، بئست الحياة إن كانت كما أحيا أنا ، الموت أهون علي خذ نفسي يا الله ، وما دمت لا تريد أن ترضى علي فلأنتحر ولا يضيرني أن أدخل النار بسبب ذلك لأنه إن لم ترض علي فسأدخلها ؛  فالاثنين سواء  ، بكيت كثيراً وتألمت كثيراً ، ولم أجد أمامي سوى أن أقوم ودموع عيني كالأنهار تجري على وجهي حتى لفتت أنظار والدتي فأخذت تربت على كتفي وتبكي على بكائي وتسألني ماذا بك يا ولدي فأقول لا شيء اتركوني وحدي لا أريد أن أتكلم مع أحد لقد تكلمت معكم مرة فاتهمتموني بالجنون ربنا يسامحكم أسرعت إلى غرفتي  وقمت واغتسلت لأزيل ما لحق ببدني من نجاسة نتيجة التفكير في المسيحية وما اقترفته يداي وأخذت أفكر هل سيغفر الله لي ما قلته على نبيه وما كتبته عن قرآنه ؟ وإذا أنا أشعر وكأن شخصاً يجيب عني قائلاً : أنت لم تتهجم على أحد ولم تتكلم بالباطل فكل ما وصلت إليه ليس من عندك أنت بل هو نفسه تكلم ، ووقفت باسطاً سجادتي وأخذت أنطق بالشهادتين حتى أعود إلى الإسلام ثانية وانتصبت لأصلي فلم أقدر أن أنطق بحرف واحد من القرآن ولم أقدر أن أنحني لأركع فجلست واضعاً رأسي بين كفي يدي فترة ثم قمت ولم أنطق سوى كلمات معدودة : يا رب ، إن لم يكن بك غضب علي فلا يضيرني شيء ، وإن كنت تقتص مني لذنب فعلته فأسألك الرحمة في قصاصك وإن كنت تقف في طريق هدايتي فليس ذلك من طبعك ، يا رب لم يعد لدي قوة لأقاوم ما أنا فيه وإن لم تظهر لي ذاتك فسأضل ، إنني أحبك سلكت كما أمرت في السابق وفعلت ما لا يستطيع أحد أن أفعله اعتقاداً أن هذا يرضيك ، وعندما أريتني نورك وسمعت النداء أنك تريدني لم أتباطأ فإلى متى تتركني أتخبط في الظلمات ، إن كان ما يحدث لي اختبار محبة أعددته لي لتقودني إلى حظيرتك أيها الراعي الصالح فزد من ذلك لأنني بذلك أكون على موعد للقائك .  في تلك الليلة نمت نوماً عميقاً لم أنم مثله ليس من أيام بل من سنوات ، وقرب الفجر تقريباً رأيت رؤيا في منامي وإذا برجل عريض المنكبين ، كثيف اللحية فارع الطول محمر الجبين سبط الشعر ملامحه أجمل ما يكون ، وإذا به يمتلكني من منكبي ويهزني بلطف قائلاً : أما زلت تشك فيّ ؟ قلت من أنت لكي أشك فيك ؟ إني لا أعرفك . قال : أنا من تبحث عنه ؟ قلت لا أدري ذكرني قٌال : اقرأ  في الكتاب لماذا لم تقرأ في الكتاب ؟ قلت ألم تعلم أنني فقدت الكتاب وكل أوراقي فكيف أقرأ ؟ قال : إن الكتاب لا يضيع ، قم وافتح دولابك فستجده هناك وباقي أوراقك سوف تعود إليك خلال أسبوع ، انتفضت كمن أيقظه أحد بسوط وأسرعت بدون تفكير نحو الدولاب الصغير الذي كان بأحد أركان غرفتي وفتحته وأنا أرتجف فإذا الكتاب الذي فقدته بعينه داخل الدولاب فوقفت لحظات أرتعش كمن كان في يوم قارس البرد ، ثم احتضنته كطفل كان غائبا عن أمه زماناً ثم عاد ، وأسرعت ، لا أدري كيف , نحو والدتي لأوقظها وأقبلها بكل فرح وأعلن لها أن ما حدث اليوم لن أسمح لكم أن تقولوا عني أني جننت ، وأخذت أرتمي في أحضانها باكياً وأردد سامحيني يا أماه على كل ما بدر مني تجاهك ، كنت أحسب ذلك من الإيمان أم الآن فقد علمت ما هو الإيمان ، من فضلك دعيني أقبل قدميك لن أقبل أقل من ذلك ، قالت : ماذا حدث لك يا بني أخبرني  قلت سأقول لك لكن أسألك بكل ما هو عزيز لديك لا تقولي جننت   إنني  يا أماه قد هداني الله ، قالت ومن قبل أين كنت ؟ قلت إن الله الذي هداني ليس هو ما كنت أسير في فلكه من قبل . قالت : هل هناك إله آخر ؟ قلت نعم ، هناك إله آخر يقول لي أن أحبك وأخضع لك  قالت من هو هذا الإله ؟ قلت هو المسيح عيسى كما يقول القرآن   قالت : أرجوك يا بني لا تقل ذلك أمام أخوتك فيتهموك بالجنون ، قلت حاضر سأفعل لكن هل تصدقيني أنت ؟ قالت لماذا لم أصدقك وقد رأيت الدليل أمامي إنك منذ عشرين عاماً لم تفعل معي ما فعلته اليوم أذهب والله لن يتركك لكن أكتم الأمر عن أخوتك  قلت لو تعلمين ما بداخلي يا أماه لعذرتني في كل شيء أريد أن أقف في وسط الطريق وأعلن أن المسيح هو الله وأنه غيرني، وفعل بي ما عجز إله محمد أن يفعله ، فوضعت يدها على فمي لتمنعني من الكلام ، ولم أنم بعد ذلك كنت أتوق لضوء النهار لأخرج للناس وكأنني قد خرجت إلى الحياة للتو ، وذهبت في الصباح الباكر أنظر حولي وإذ أنا أرى كل شيء جميلا وكل الناس طيبون ، أخذت أسلم على كل من يقابلني سواء عرفته أم لا ، وذهبت نحو البقال المسيحي الذي كنت أسيء إليه فاعتقد أنني قادم إليه لأفعل ما كنت أفعله معه من قبل ؛ فأسرع نحو الدكان ليغلقه ، فناديت عليه أرجوك انتظر .لا تخف . فوقف متسمراً في مكانه ولم يتفوه بكلمة وإذا أنا أجد نفسي أقبله وأطلب منه أن يسامحني  فلم يكن إلا أن بكى وسمعته يقول كلمات لم أدر معناها إلا بعد ذلك  قال : هللويا مجداً لله فقلت ماذا تقول ؟ قال ستعرف ما قلت في حينه   وانصرفت وكنت أرى الناس بصورة غريبة حتى أنني شككت أن يكون قد حدث لعقلي شيء ، كانت نظرات الناس تلاحقني أينما كنت مندهشين مما حدث لي ، حتى زملائي في العمل كانوا ينظرون إلي بتعجب ويضربون كفاً على كف وكأنهم يقولون : ماذا حدث لهذا الإنسان بالأمس كان يبصق علينا وها هو الآن كالحمل الوديع ، ماذا يدور في خاطره هل هي مكيدة جديدة يخطط لها ؟ كنت أرقب في أعينهم الحيرة تجاه سلوكي الذي تغير  180 درجة لكن لم يكن يشغلني ما يقولون أكثر من انشغالي بالإحسان لكل من أسأت إليه  وكذلك الفرحة العارمة التي ملأت قلبي والوداعة المتناهية ، والهدوء ، أحياناً كنت أعتقد أنني في حلم جميل لا أريد أن أستيقظ منه ، لكنها هي قوة الله ، كنت متعجل الاختبارات التي تثبت أنني حقاً قد تغيرت إلى الأبد وليس وقتياً ، وكنت أتفكر في ما قاله لي الرجل الذي رأيته في المنام من أنني سأعثر على الأوراق خلال أسبوع ، ومرت الأيام وبدأ الشك يتسلل إلي وكنت أخشى من أن تفسد فرحتي إن لم أعثر على الأوراق وفي اليوم السابق لتمام الأسبوع كنت قريباً من محطة القطار وأردت أن اتصل هاتفيا ، ولم يكن أمامي سوى نفس الهاتف الذي فقدت عنده الأوراق والكتاب من قبل فترددت وكنت أتقدم نحو الهاتف وأرجع ثانية إلى الخلف حتى لاحظ صاحب الهاتف ذلك ، فقال : ماذا تريد أراك مترددا هل حدث شيء ؟ قلت لا لكن هاتفك هذا أتشاءم منه فقد اتصلت منه منذ أسبوع وفقدت حقيبتي وأنا اليوم أريد الاتصال لكن لا أدري ماذا سأفقد ، قال هل الحقيبة تلك لك ؟ قلت نعم هل لديك معلومات عنها؟ قال : هات علامة وأنا أخبرك أين هي . فقلت أنها حقيبة بلاستيك بها مجموعة أوراق وكتاب مثل المصحف وبطاقتي وجواز سفري وليس بها نقودا إطلاقا قال : نعم هي كذلك غداً تعال وأنا آخذك عند من وجدها ، وفي اليوم التالي تمام الأسبوع ذهبنا إلى قرية في ضواحي القاهرة ناحية الجنوب وقابلنا الرجل الذي عنده الحقيبة وأعطانا إياها ، وفتحتها ولم أجد الكتاب ، فقلت للرجل إن الحقيبة ناقصة كتاب ، قال : والله ما أخذت منها شيء ولم أفتحها إلى يوم أخذتها وكان بها أوراق وجواز سفر وبطاقة ومصحف ( الكتاب المقدس ) ولم أر ما فيها حتى اليوم ، فرحت جداً بما قاله الرجل وأخبرته أني صدقته ، لأن ذلك معناه أن الله قد أعاد لي الكتاب بعد أن فقدته ، كان سبب سعادتي أنني طوال أيام حياتي الإسلامية لم أعهد أن أطلب من الله أو أن أرى مثل ما حدث هذا ، حقاً لقد كان يمثل بالنسبة لي معجزة فوق كل المعجزات ، حتى أنني عدت لأحقر نفسي أمام عمل الله هذا معي ، فقلت : من أنا يا رب حتى تفعل معي هكذا وحالاً جاءني الجواب؛ أنا فعلت وسأفعل أعظم من هذا للذين يحبون الله .

كنت أحدث نفسي قائلاً لو سمح الله لي أن يدخلني في اختبار لكي أتأكد من أنني فعلاً تغيرت سأكون سعيداً ، وسرعان ما استجاب الله لرغبتي وكان أول اختبار لي في علاقتي الجديدة بالمسيح : كنا في عملنا نحصل على مكافآت دورية ، نتعاقب عليها لكني كنت فوق ذلك وكنت أجبرهم على أن آخذ من هذه المكافأة شهرياً لأن هذا مال كفار لا يجب العدل فيه وذات يوم حان موعد الصرف ، وكان هناك زميل يمر بظروف قاسية في منزله وجاء للمدير المسئول يطلب منه أن يمنحه المكافأة هذا الشهر ليخرج من ضائقته هذه ، فقال له المدير : إن الكشوفات قد وضعت وبقية زملائك هذا دورهم وكلهم عندهم ظروف مثلك أما بخصوص فلان . . .فلا نقدر أن نمنع عنه المكافأة فأنت تعرف أنه إنسان شرير ونحن نتقي شره ، في تلك اللحظة دخلت مكتب المدير ووجدته يتهامس مع زميلي فقلت على الفور : ماذا تقولون بنغمة هادئة ، أتتحدثون عن المكافأة ؟ قال المدير بسرعة وارتباك : نعم لكن أنت لا تخف فأسمك مدون في رأس الكشف ، فقلت إذن فماذا يريد فلان . . قال هو يريد أن نضع اسمه في الكشف هذا الشهر لكن اعتذرت له ، قلت ولماذا اعتذرت له ؟ يمكنك أن تضعه بدلاً مني  اعتقد المدير أنني اسخر منه فقال : قلت لك إن اسمك في رأس الكشف ولن يقدر أحد أن يمنعك من المكافأة ، قلت لكن أنا أريد أن أتنازل عنها هذا الشهر لزميلي ، فقال مش ممكن  أنت ؟ قلت نعم أنا ، قال كيف؟ قلت هكذا مثل ما سمعت أرجوك أن تحذف اسمي وتضع اسمه مكاني ومن الأفضل أن تتنازلوا جميعاً له هذا الشهر ، وسمعته يقول : سبحان مغير الأحوال ، ماذا جرى ؟ القيامة سوف تقوم ، فلان . . يتنازل عن المكافأة ، مش ممكن ، قلت لكن الله قادر على كل شيء يخرج من الآكل أكلاً ومن الجافي حلاوة ، كانت عيناي مغرورقتان بالدموع من هذا الموقف الذي لم يحدث مثله معي في حياتي ، لقد اعتدت أن آخذ ما لي وما ليس لي أما الآن فقد علمني المسيح أن أعطي :كانت فرحتي لا توصف وأنا أشعر بحلاوة وطعم العطاء.

بدأ أهلي واخوتي يلمسون هذا التغير فقد كانوا بمجرد أن يروني يغلقون التليفزيون ويهرب كل واحد منهم إلى مكانه خاصة أخواتي البنات ، لكن بعد هذا اليوم دخلت عليهم ولم يشعروا بي فأسرعوا نحو التليفزيون ليغلقوه وكل منهم يتهم الآخر بأنه هو الذي كان يستمع إليه  فقلت لهم ، مش مهم من الذي فتحه المهم لماذا أراكم مرتبكين؟

وفتحت لهم التليفزيون وقلت لهم شاهدوا ما تريدون لكن البرامج التي تخدش الحياء أرجوكم لا تشاهدوها ، قالوا مش ممكن أنت تسمح لنا بمشاهدة التليفزيون  قلت ولم لا ، لو تعلمون ما في داخلي نحوكم لما صدقتم أنني أحبكم كثيراً وأريد منكم أن تسامحوني على كل إساءة بدرت مني نحوكم ، وإذا بي  أراهم جميعاً يبكون ، وكنت كلما خرجت من المنزل وعدت ثانية أقبل والدتي واحضر لها هدية ، فما كان منها إلا أن تبكي من التأثر وأشكر الله كثيراً أنها قد توفيت وهي سعيدة بي وأنا أشعر أنني قد كفرت عن القليل من إساءتي لها ، وعوضتها قليلاً عما بدر مني في السابق وكنت فرحاً جداً بهذا الإله الذي أعاد البسمة على شفاه جميع من بالمنزل مؤمنين وغير مؤمنين .

كان الأخوة المسيحيين الذين ذكرتهم يتابعون أخباري باستمرار لكن ساورهم خوف شديد من أن يكتشف الناس في القرية أمري فيلقون بالتبعية عليهم فطلبوا مني أن أترك مصر وأغادر للخارج لكنني رفضت ذلك بقوة لأنه كان يلاحقني ما فعلته بالمسيح والمسيحيين لذا أخبرتهم أنني قد صليت من أول يوم تغيرت فيه حياتي أن يساعدني الله لأن أعمل للمسيح بقدر ما أسأت له وأنا أسأت له بمصر فلن أغادر مصر ، ووعدتهم بأنه إذا تم القبض علي فلن أذكر أسمهم في أي حال من الأحوال ، وذات يوم طلبوا مني أن أذهب معهم لكنيسة لم أذهب إليها من قبل  فوافقت وتقابلت مع أحد الآباء هناك وقصصت عليهم ما حدث معي فرأيت الفرحة والبهجة ترتسم على وجوههم بسبب عمل الله  في، فطلبت منهم المعمودية وتجاوبوا معي وكان ذلك في يوم 9/5/1993  وما زلت أحفظ هذا اليوم لأنه إن كان لي أن أحسب عمري الحقيقي فهو بالتأكيد يرتبط بهذا التاريخ الذي فيه ولدت من جديد .

ثمــــار الإيمـــان:

إن كنت قد تكلمت باستفاضة عن حياتي قبل الإيمان فمن الضروري والمهم أن أتكلم كذلك عن عمل الله في حياتي بعد الإيمان ، لم يكن لدى كل المقربين لدي أدنى شك في أنه يستحيل أن أتغير بهذه الدرجة ، ولم يكن أحد منهم يصدق ما رآه بعينيه فيّ بعد الإيمان ، لأني إن كنت قد طلبت ذات مرة من الله أن يختبرني لأعرف هل أنا فعلاً تغيرت أم لا  فهنا الله يدخلني في التجارب المتنوعة ليس ليعطيني ثقة في ما حدث لي بل بكل ثقة أقول إنه قد سمح بذلك ليدربني على المهمة الشاقة التي قد وضعها على عاتقي ، فأنا لم أختر الطريق الجديد هذا ولم أختر حياتي مع المسيح بل على النقيض كنت أحاول تكذيب ما رأيته  فالمسيح هو الذي اختارني ، ولم يختارني اعتباطاً بل بالتأكيد لخدمة أعدها لي وأعدني لها ، وهنا سوف أذكر بعضاً مما قابلني من مضايقات وعمل الله فيها .

كنت أعمل في مكتب يضم بالإضافة إلى ثلاثة زملاء آخرين لا نجتمع سوياً إلا نادراً فنجلس فيه بالتناوب ، وكل منا يملك دولاب لخلع الملابس ووضع حاجياته الشخصية به ، وذات يوم فوجئت باختفاء بعض الأشياء من دولابي ، ولم أشك في أحد وفي اليوم الثاني تكرر نفس الشيء ، وأيضاً لم أشك في أحد وكنت ألقي بالمسئولية على زوجتي ومرة ثالثة تكرر نفس الموقف فاكتشفت أن قفل الدولاب مكسور واختفى مرتبي الذي نسيته بالدولاب ، فعلمت يقيناً أن الأشياء اختفت هنا وعن طريق أحد زملائي ، وفجأة سيطرت علي روح شيطانية رهيبة وأخذت أسب وألعن بأسلوب الإنسان العتيق الذي كان في قبل الإيمان ، وكنت أردد قائلاً : إن كنت قد قبلت المسيح ولرأيتم أني وديع وطيب فلا يعني هذا أن تضحكوا علي وتجعلوني ألعوبة وأقسمت أن أفعل بهم أشد ما فعلوا بي ، وقررت بيني وبين نفسي أن أحطم كل الدواليب الموجودة بالمكتب وآخذ ما بها وأحرقهم وأترك كل دولاب مفتوحا كما فعل إبراهيم بالأصنام لكي يعلموا مدى ما يشعر به الإنسان إن سرقت حاجياته ، وذهبت وأحضرت شاكوشا  لأنفذ ما قررته وأغلقت المكتب بعد أن التفت يميناً وشمالاً لكي أتأكد أن أحداً لم يرني  ورفعت يدي وأنا مملوء غضبا وغيظا وقبل أن أهوي بيدي على أول قفل إذا بشيء يمسك يدي وصوت خافت يقول : لا تقاوم الشر  وكن صانع سلام ، فالتفت يميناً ويساراً لأجد الصوت فلم أجد شيئاً فقلت في نفسي : لكن يا رب هل يرضيك ما يحدث لي ، لكن لتكن مشيئتك اذهب عني الغيظ وأخمد النار التي في قلبي ، إني أكاد أفقد صوابي من فضلك يا رب هدأني ، وفجأة شعرت بسلام غريب وكأنه لم يحدث شيئا ، وأسمع من يطلب مني أن أكتب على ورقة من أوراق التقارير اليومية ما يلي : أخي الذي يفتح الدولاب إني في غاية الأسف لعدم تمكني من تلبية ما تحتاجه  لكن من فضلك أكتب ما تحتاجه وأنا بمشيئة الله سأحاول تلبيته لك ، وللدلالة على صدقي لن أستبدل القفل المكسور ، وأعلم أن محبة الله لنا نحن البشر فائقة ، وأخيراً لك مني سلام الله الذي يفوق كل عقل والرب يحفظ حياتك إلى الأبد : أخيك . . وبعد أن انتهيت من كتابة ما سبق وضعت الورقة في الدولاب وتركته على وضع